الصفحة (109)
قائلاً : (( بمَنْ العزاء يا بنت محمّد ؟ كنتُ بكِ أتعزّى ، ففيم العزاء من بعدك ؟! )) .
وخفّ مسرعاً نحو البيت وهو يذرف أحرّ الدموع ، وألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله (
) وهو يقول :لكلّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ وكلّ الذي دونَ الفراقِ قليلُ
وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ
وكانت العقيلة زينب إلى جانبها اُمّها وهي تعجّ بالبكاء , قد ذاب قلبها ؛ فقد فقدت جميع آمالها ، وليس شيء أوجع على الطفل من فراق اُمّه .
وهرع الناس من كلّ صوب نحو بيت الإمام ، وقد ساد فيهم وجوم رهيب ، وعهد الإمام (
) إلى سلمان الفارسي أن يخبر الجماهير بأنّ مواراة جثمان بضعة الرسول قد اُجّل هذه العشية , فقفلوا إلى منازلهم .وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام (
) لتشاهد جثمان حبيبة رسول الله (
) , فحجبتها أسماء ومنعتها من الدخول قائلة : قد عهدت إليّ أن لا يدخل عليها أحد(1) .ولمّا مضى شطر من الليل قام الإمام أمير المؤمنين (
) فغسّل الجسد الطاهر ، ومعه الحسنان (
) , وأسماء , وزينب وهي تنظر إلى جثمان اُمّها وقد نخب الحزن قلبها ، وتبكي عليها كأقسى وأمرّ ما يكون البكاء .وبعد الفراغ من الغسل أدرجها في أكفانها ، ودعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان اُمّهم ؛ ليلقوا عليها نظرة الوداع ، فألقوا بنفوسهم على جثمان اُمّهم وهم يوسعونها تقبيلاً , وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وبكائهم ، وبعد انتهائهم من الوداع عقد الإمام (
) عليها الرداء ، ولمّا حلّـــــــــــــــــــــ
(1) مناقب ابن شهر آشوب 3 / 365 .
الصفحة (110)
الهزيع الأخير من الليل قام فصلّى على الجسد الطيب ، وعهد إلى مَنْ كان معه من خلّص صحابة رسول الله (
) أمثال سلمان الفارسي وبني هاشم فحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير ، وأودعها في قبرها ، وأهال عليها التراب ، وعفى موضع قبرها ؛ ليكون دليلاً حاسماً على غضبها ونقمتها على مَنْ غصب حقّها .ووقف الإمام الثاكل الحزين على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، وقد طافت به موجات من الحزن والألم القاسي ، فأخذ يؤبّن زهراء الرسول بهذه الكلمات التي تحكي لوعته وأساه على هذا الرزء القاصم ، وقد وجّه خطابه إلى رسول الله (
) يعزّيه قائلاً : (( السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك , السريعة اللحاق بك .قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزٍّ ؛ فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون . لقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرهينة ؛ أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتضافر اُمّتك على هضمها ، فأحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد , ولم يخل منك الذكر ، والسلام عليكما سلام مودّعٍ لا قالٍ ولا سئم ؛ فإن أنصرف فلا عن ملالة ، وإن اُقم فلا عن سوء ظنٍ بما وعد الله الصابرين ))(1) .
وحكت هذه الكلمات الحزن العميق والألم الممض الذي في نفس الإمام (
) ؛ فقد أعلن شكواه إلى رسول الله (
) على ما مُنيت به حبيبته من الخطوب والنكبات ، ويطلب منه أن يلحّ في السؤال منها لتخبره بما جرى عليها من الظلم في الفترة القصيرة التي عاشتها بعده .ـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 2 / 207 .
الصفحة (111)
كما أعلن الإمام عن أساه وشجاه على فقده لبضعة الرسول ، فهو في حزن دائم وليل مسهّد ، لا تنطفئ عنه نار اللوعة عليها حتّى يلتحق إلى جوار الله ، وإنّه إذ ينصرف عن قبرها المقدّس فليس ذلك عن سأم ولا عن ملالة وكراهية ، ولكن استجابة لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر ، ولولا ذلك لأقام عنده ولا يريم عنه .
وعاد الإمام إلى داره بعد أن وارى جثمان سيّدة نساء العالمين في مثواها الأخير ، وقد نخب الحزن فؤاده ينظر إلى أطفاله وهم يبكون اُمّهم أمرّ البكاء ، وأشجاه خصوصاً العقيلة زينب فكادت تندب اُمّها بذوب روحها تبكي عليها صباحاً ومساءً قد خلدت إلى الأسى والحزن .
لقد قطعت عقيلة بني هاشم دور طفولتها الحزينة وقد طافت بها الآلام القاسية والرزايا الموجعة ؛ فقد فقدت جدّها رسول الله (
) الذي كان يفيض عليها بعطفه وحنانه ، ولم تمض بعد وفاته إلاّ أيام يسيرة حتّى فقدت اُمّها الرؤوم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الأهاب ؛ فقد صُبّت عليها الكوارث والمصائب ، والتي كان من أقساها جحد القوم لحقّها , وإجماعهم على هضمها وهي ابنة نبيّهم الذي برّ بدينهم ودنياهم .لقد وعت حفيدة الرسول (
) وهي في سنّها الباكر الأهداف الأساسية التي دعت القوم إلى هضم اُمّها وجحد حقوقها وإقصاء أبيها عن قيادة الاُمّة ، كلّ ذلك طمعاً بالحكم والظفر بالإمرة والسلطان .وفاة أبي بكر
ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمّت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه ، وقد قلّد صاحبه عمر شؤون الخلافة ، وقد لاقى معارضة شديدة من أعلام
الصفحة (112)
الصحابة , كان من بينهم طلحة ؛ فقد قال له : ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفض منه القلوب ؟(1) .
وسكت أبو بكر , فاندفع طلحة يشجب عهده لعمر قائلاً : يا خليفة رسول الله ، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يده ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة ؟
وسارع أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر وهم يعلنون رفضهم وسخطهم وكراهيتهم لخلافة عمر , قائلين : نراك استخلفت علينا عمراً وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا ولّيت عنّا ؟! وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل ؟
فأجابهم أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ استخلفت عليهم خيرهم من نفسي(2) .
وكان الأجدر به أن يستجيب لعواطف أكثر المسلمين ورغباتهم إلاّ أنّه لم يحفل بهم ، وأقام صاحبه خليفة من بعده ، وتوفّي أبو بكر وانتهت بذلك خلافته القصيرة الأمد ، وقد حفلت بأحداث رهيبة كان من بينها معاملة العترة الطاهرة التي هي وديعة النبي (
) في اُمّته كأشخاص عاديّين ؛ فقد جرّد عنها هالة التقديس الذي أضفاه عليها النبي (
) ، كما فتحت الباب للحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلم آل البيت (عليهم السّلام) والإمعان في قتلهم تحت كلّ حجر ومدر .ولعلّ أقسى ما جرى عليهم من الكوارث فاجعة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان ؛ فقد استشهد الإمام الحسين
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 55 .
(2) شرح نهج البلاغة 6 / 343 ، دار إحياء الكتب العربية .
الصفحة (113)
ريحانة رسول الله (
) بصورة مروّعة , ومُثّل بجثمانه المقدّس بوحشية لم يعهد لها مثيل ، وسُبيت عائلته ومعها حفيدة الرسول وعقيلة بني هاشم من كربلاء إلى الشام .كلّ هذه الرزايا كانت ناجمة عن إقصاء أهل البيت (عليهم السّلام) عن مركز القيادة العامة للمسلمين .
في عهد عمر
وتولّى عمر بعد وفاة أبي بكر شؤون الدولة الإسلاميّة ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، وساس البلاد بعنفٍ حتّى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ؛ فإنّ درّته ـ فيما يقول المؤرّخون ـ كانت أهيب من سيف الحجّاج ، حتّى إنّ ابن عباس مع قربه للنبي (
) , ومكانته العلميّة لم يستطع أن يجهر برأيه في حلّية المتعة إلاّ بعد وفاته , كما تحاماه أهله وعياله فلم يستطع أحد منهم أن يجهر برأيه أو يفرض إرادته عليه .وعلى أيّ حال , فقد نهج عمر في سياسته منهجاً خاصاً لا يتّفق في كثير من بنودها مع سياسيّة أبي بكر ، خصوصاً في السياسة المالية ؛ فقد كان السائد في سياسة أبي بكر المساواة بين المسلمين إلاّ أنّ عمر عدل عنها ، وميّز بعض المسلمين على بعض ؛ ففضّل العرب على الموالي ، وقريشاً على سائر العرب ، وقد أدّى ذلك إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين(1) .
اعتزال الإمام (
)واعتزل الإمام أمير المؤمنين (
) عن الحياة الاجتماعية والسياسيّة طيلة خلافة عمر كما اعتزل في أيام أبي بكر ، وقد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى مرير علىـــــــــــــــــــــ
(1) حياة الإمام الحسين (
) 1 / 284 .الصفحة (114)
ضياع حقّه وسلب تراثه ؛ فقد جهد القوم على الغضّ من شأنه ، وعزله عن جميع ما يتعلّق بأمر الدولة ، حتّى ألصق خده بالتراب على حدّ تعبير بعض المؤرّخين .
يقول محمّد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي : إنّ عليّاً وضعه الأوّلون ـ يعني الشيخين ـ وأسقطاه وكسرا ناموسه بين الناس ، فصار نسياً منسيّاً(1) .
وقد صار جليس بيته تساوره الهموم ، ويسامر النجوم ، ويتوسّد الأرق ، ويتجرّع الغصص ، قد كظم غيظه ، وأسلم أمره إلى الله . وانطوت نفوس أبنائه على حزن لاذع وأسىً عميق على عمر ؛ فقد روى المؤرّخون أنّ الحسين (
) خفّ إلى عمر وكان على المنبر يخطب , فصاح به : (( انزل ، انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك )) .وبهت عمر ، واستولت عليه الحيرة ، وراح يقول : صدقت , لم يكن لأبي منبر . وأخذه فأجلسه إلى جنبه , وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك قائلاً : مَنْ علّمك ؟
ـ (( والله ما علّمني أحد )) .
شعور طافح بالأسى والألم انبعث عن إلهام وعبقرية ، رأى الإمام الحسين (
) منبر جدّه الملهم الأوّل لقضايا الفكر الإنساني , وأنّه لا يليق أن يرقاه غير أبيه باب مدينة علم النبي (
) , ورائد العلم والحكمة في دنيا الإسلام .وعلى أيّ حال , فقد كان هذا الشعور سائداً عند ذرّية رسول الله (
) ، ولم يقتصر على الإمام الحسين (
) وإنّما كان شاملاً للعقيلة زينب كما يدلّل على ذلكـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 9 / 28 .
الصفحة (115)
خطابها الرائع في البلاط الاُموي ؛ فقد قالت ليزيد : وسيعلم مَنْ سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ... وهذه الكلمات صريحة فيما ذكرناه .
وقد بحثنا عن شؤون عمر وأيام حكومته في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، فلا نعيد تلك البحوث .
اغتيال عمر
وبقي عمر على دست الحكم يتصرّف في شؤون الدولة حسب رغباته وميوله ، وكان فيما يقول المؤرّخون : شديد البغض والكراهية للفرس ، يبغضهم ويبغضونه ؛ فقد حظر عليهم دخول يثرب إلاّ مَنْ كان سنّه دون البلوغ(1) .
وتمنّى أن يحول بينهم وبينه جبل من حديد ، وأفتى بعدم إرثهم إلاّ مَنْ ولد منهم في بلاد العرب(2) ، وكان يُعبّر عنهم بالعلوج(3) .
وقد قام باغتياله أبو لؤلؤة وهو فارسي ، أمّا السبب في اغتياله له فهو أنّه كان فتى متحمّساً لوطنه واُمّته ، ورأى عمر قد بالغ في احتقار الفرس وإذلالهم ، وقد خفّ إليه يشكو ممّا ألمّ به من ضيق وجهد من جرّاء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج ، وكان مولى له ، فزجره عمر وصاح به : ما خراجك بكثير من أجل الحِرف التي تُحسنها .
وألهبت هذه الكلمات قلبه , فأضمر له الشرّ ، وزاد في حنقه عليه أنّه اجتاز على عمر فسخر منه , وقال له : بلغني أنّك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت .
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 185 .
(2) الموطّأ 2 / 12 .
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 185 .
الصفحة (116)
ولذعته هذه السخرية , فخاطب عمر : لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها .
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(1) ، فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق(2) ، وهي التي قضت عليه ، ثمّ هجم على مَنْ في المسجد فطعن أحد عشر رجلاً ، وعمد إلى نفسه فانتحر(3) ، وحُمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً ، فقال لمَنْ حوله : مَنْ طعنني ؟
ـ غلام المغيرة .
ـ ألم أقل لكم : لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً فغلبتموني ؟(4) .
وأحضر أهله له طبيباً , فقال له : أيّ الشراب أحبّ إليك ؟
ـ النبيذ .
فسقوه منه فخرج من بعض طعناته صديداً ، ثم سقوه لبناً فخرج من بعض طعناته ، فيئس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تُمسي(5) .
الشورى
ولمّا أيقن عمر بدنوّ الأجل المحتوم منه أخذ يطيل التفكير فيمَنْ يتولّى شؤون
ـــــــــــــــــــــ
(1) مروج الذهب 2 / 212 .
(2) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد .
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 185 .
(4) شرح نهج البلاغة 12 / 187 .
(5) الاستيعاب (المطبوع على هامش الإصابة) 2 / 461 .
الصفحة (117)
الحكم من بعده ، وقد تذكّر أعضاء حزبه الذين شاركوه في تمهيد الحكم لأبي بكر ، فأخذ يُبدي حسراته عليهم ؛ لأنّهم جميعاً قد اقتطفتهم المنيّة ، فقال بأسى وأسف : لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنّه أمين هذه الاُمّة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنّه شديد الحبّ لله تعالى .
لقد استعرض الأموات وتمنّى أن يقلّدهم الحكم , ولم يعرض لسيّد العترة الإمام أمير المؤمنين (
) , ولا للصفوة الطاهرة من صحابة النبي (
) أمثال عمّار بن ياسر الطيّب ابن الطيّب ، ولا لأبي ذرّ ، ولا لرؤساء الأنصار من الذين ساهموا في بناء الإسلام واستشهد أبناؤهم في سبيله .لقد تمنّى حضور أبي عبيدة وسالم يقلّدهما منصب رئاسة الدولة ، مع العلم أنّهما لم يكن لهما أيّة سابقة تُذكر في خدمة الإسلام .
لقد رأى عمر أن يجعلها شورى بين المسلمين وانتخب مَنْ يمثّلهم ، وهم ستة :
1 ـ الإمام أمير المؤمنين (
) .2 ـ عثمان بن عفان الاُموي .
3 ـ طلحة .
4 ـ عبد الرحمن بن عوف .
5 ـ الزبير .
6 ـ سعد بن أبي وقاص .
وقد اختار عمر هؤلاء النفر لصرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (
) ؛ فقد كان معظم أعضائها من المنحرفين عن الإمام والموالين لبني اُميّة ، ولم يكن مع الإمام سوى الزبير , وهو لا يغني شيئاً . وقد جمع عمر أعضاء الشورى ، وقدّم في كلّالصفحة (118)واحد منهم سوى الإمام , فانصرف عنه ، فقال عمر لمَنْ حضر عنده : والله إنّي لأعلم مكان رجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء .
فقالوا له : مَنْ هو ؟
ـ هذا المولّي من بينكم .
ـ ما يمنعك من ذلك ؟
ـ ليس إلى ذلك من سبيل(1) .
ودعا عمر بأبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى , فقال له : يا أبا طلحة ، إنّ الله أعزّ بكم الإسلام , فاختر خمسين رجلاً من الأنصار , فالزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله . والتفت إلى المقداد فعهد إليه بمثل ما عهد إلى أبي طلحة ، ثمّ قال له : إذا اتفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما ، وإن اتّفق ثلاثة على رجل ورضي ثلاثة منهم برجلٍ آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف , واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس .
والتاع الإمام (
) وعرف أنّها مكيدة دُبّرت ضدّه ؛ فقد قال لعمّه العباس : (( يا عمّ ، لقد عُدلت عنّا )) .وسارع العباس قائلاً : مَنْ أعلمك بذلك ؟
وكشف الإمام (
) الغطاء عمّا دبّره عمر ضدّه قائلاً : (( لقد قرن بي عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، ثمّ قال : كونوا مع عبد الرحمن ،ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 195 .
الصفحة (119)
وسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمن ، وعبد الرحمن صهر لعثمان , وهم لا يختلفون ؛ فإمّا أن يولّيها عبد الرحمن عثمان , أو يولّيها عثمان عبد الرحمن )) .
وصدق تفرّس الإمام ؛ فقد ولاّها عبد الرحمن لعثمان إيثاراً لمصالحه ، وابتغاءً لرجوعها إليه من بعده .
إنّ أدنى تأمّل في وضع الشورى يتّضح منه صرف الخلافة عن الإمام أمير المؤمنين (
) ، ووضعها عند القوى المنحرفة عنه .وعلى أيّ حال ، فإنّ الشورى بأسلوبها الهزيل قد ألقت الاُمّة في شرّ عظيم ، وفرّقت كلمتها ، وأشاعت الطمع والتهالك على الحكم والسلطان بين أبنائها ، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان ؛ فقد قال لأبي الحصين : بلغني أنّ عندك ذهناً وعقلاً , فأخبرني عن شيء أسألك عنه .
ـ سلني عمّا بدا لك .
ـ أخبرني ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم ؟
ـ قتل الناس عثمان .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ مسير عليّ إليك وقتاله إياك .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ مسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم .
ـ ما صنعت شيئاً .
ـ ما عندي غير هذا .
وطفق معاوية يبيّن أسباب الخلاف والفرقة بين المسلمين قائلاً : أنا اُخبرك ؛ إنّه لم يُشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر .
وأضاف يقول :الصفحة (120)
ثمّ جعلها ـ عمر ـ شورى بين ستّة نفر ، فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ورجاها له قومه ، وتطلّعت إلى ذلك نفسه(1) .
لقد شاعت الأطماع السياسيّة بشكل سافر عند بعض أعضاء الشورى وغيرهم ، فاندفعوا إلى خلق الحزبية في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم والظفر بخيرات البلاد .
وعلى أيّ حال , فقد ذكرنا بصورة موضوعية وشاملة آفات الشورى في كتابنا (حياة الإمام الحسين) ، وقد ألمحنا إليها في هذه البحوث ؛ وذلك لأنّها تُلقي الأضواء على الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في ذلك العصر الذي عاشت فيه عقيلة بني هاشم ، والتي أدّت إلى ما عانته من الأهوال والكوارث التي تذهل كلّ كائن حيّ .
انتخاب عثمان وحكومته
واجتمع أعضاء الشورى في بيت المال ، وقيل في بيت مسرور بن مخرمة ، وتداولوا الحديث عمّن أحقّ بأمر المسلمين ، وكثر الجدل فيما بينهم ، فانبرى الإمام أمير المؤمنين (
) فحذّرهم من الخلاف والفتنة إن استجابوا لعواطفهم ، ولم يؤثروا المصلحة العامة للمسلمين , قائلاً : (( لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ , وصلة رحم , وعائدة كرم ، فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتطي فيه السيوف ، وتخالف منه العهود , حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضلال , وشيعة لأهل الجهالة )) .ولم يعوا منطق الإمام ونصيحته ؛ فقد استجابوا لعواطفهم ، وكان الاُمويّون قد حفوا بأهل الشورى وهم يقدّمون لهم الوعود المعسولة إن انتخبوا عميدهم عثمان .
ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 73 ـ 74 .
الصفحة (121)
وانقضت الثلاثة أيام التي حدّدها عمر ولم ينتخب أعضاء الشورى أحداً منهم ، فحذّرهم أبو طلحة الأنصاري وجعل يتهدّهم ويتوعدّهم إن لم ينتخبوا أحداً منهم ، انبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان ؛ لأنّه كان شديد الكراهية للإمام أمير المؤمنين (
) ؛ لأنّه نافس ابن عمّه أبا بكر على الخلافة .ووهب سعد بن أبي وقّاص حقّه لابن عمّه عبد الرحمن بن عوف ، وأصبح رأيه هو الفيصل ؛ لأنّ عمر وضع ثقته به ، وكان رأيه مع عثمان ؛ لأنّه صهره , وقد زهّده القرشيون في الإمام وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنّه يحقّق رغباتهم وأطماعهم .
وأمر عبد الرحمن مسوراً بإحضار أمير المؤمنين (
) وعثمان بن عفان , فلمّا حضرا عنده في الجامع النبوي التفت إلى الحاضرين فقال لهم : أيّها الناس ، إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم , فأشيروا عليّ .وانبرى الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للاُمّة مصالحها ويصونها من الاختلاف والفرقة قائلاً : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً .
وأيّد المقداد مقالة صاحبه عمّار , فقال : صدق عمّار ، إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا .
وشجبت الاُسر القرشيّة المعادية للإسلام والحاقدة عليه مقالة عمار ، ورشحّت عميد الاُمويِّين عثمان بن عفان ، وقد كان الممثل لها عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان .
وكأنّ شؤون الخلافة ومصير المسلمين موكول إلى قريش وهي التي حاربت رسول الله (
) , وناهضت دعوته , وعذّبت أنصاره حتّى هرب منها ، وتابعته إلى يثربالصفحة (122)
بجيوش مكثفة لاستئصال دعوته ومحو دينه ، ولكنّ الله تعالى ردّ كيدهم وأفشل خططهم ، ونصر نبيّه العظيم ، ولولا سماحة النبي (
) ورأفته لأجرى عليهم حكم بني قريضة ، ولكنّه عفا عنهم وجعلهم من الطلقاء .وعلى أيّ حال , فقد اندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة ابن سرح قائلاً : إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا . وانبرى الصحابي الجليل عمّار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً : متى كنت تنصح للمسلمين ؟
وصدق عمّار , فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين وهو من ألدّ أعداء رسول الله (
) , وقد أمر بقتله ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة(1) ؟واحتدم الجدال بين الهاشميين وخصومهم الاُمويِّين ، وانبرى ابن الإسلام البار عمّار بن ياسر فجعل يدعو لصالح المسلمين قائلاً : أيّها الناس ، إنّ الله أكرمنا بنبيّه ، وأعزّنا بدينه , فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ؟
وانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلاً : لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها !
وطفحت الروح الجاهليّة على هذه الكلمات ، فليس فيها إلاّ الدعوة إلى الباطل ؛ فقد اعتبر المخزومي أمر الخلافة وشؤونها إلى قريش التي ما آمنت بالله وكفرت بقيم الإسلام ، فأيّ حقّ لها في خلافة المسلمين ؟ وقبله أعلن أحد أعلام القرشيين : أبت قريش أن تجتمع النبوّة والإمامة في بيت واحد .
إنّ أمر الخلافة بيد جميع المسلمين يشترك فيه ابن سميّة وغيره من الضعفاء
ـــــــــــــــــــــ
(1) الاستيعاب 2 / 375 .
الصفحة (123)
الذين أعزّهم الله بدينه ، وليس لأيّ قرشي الحقّ في التدخّل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق وحساب .
وعلى أيّ حال , فقد احتدم النزاع بين القوى الإسلاميّة وبين القرشيّين ، فخاف سعد أن يفلت الأمر من أيديهم وتفوز الاُسرة النبويّة بالحكم فالتفت إلى عبد الرحمن قائلاً له : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس .
والتفت عبد الرحمن إلى الإمام (
) فقال له : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه , وفعل أبي بكر وعمر ؟فرمقه الإمام بطرفه وأجابه بمنطق الإسلام قائلاً : (( بل على كتاب الله وسنّة رسوله ، واجتهاد رأيي )) .
إنّ ابن عوف يعلم علماً جازماً أنّ الإمام لا يسوس المسلمين بسيرة الشيخين , ولا يحفل بها ، وإنّما يسوسهم بكتاب الله وسنّة نبيّه , ورأيه المشرق الذي هو امتداد ذاتي لرأي النبي (
) ، وإنّما شرط عليه ذلك لصرف الخلافة عنه .ولو كان الإمام ممّن يبغي الحكم والسلطان لوافق على هذا الشرط ثمّ خالفه ، ولكنّه (سلام الله عليه) في جميع أدوار حياته واكب الصدق والحقّ , ولم يحد عنهما مهما كانت الظروف .
وعلى أيّ حال ، فإنّ عبد الرحمن لمّا يئس من إجابة الإمام اتّجه صوب عثمان فعرض عليه شروطه فأجابه بلا تردّد ، فصفق بكفّه على يده وقال له : اللّهمّ إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان .
والتاع الإمام فخاطب ابن عوف : (( والله , ما فعلتها إلاّ لأنّك رجوت منه ما رجا صاحبها من صاحبه ، دقّ الله بينكما عطر منشم )) .
الصفحة (124)
لقد رجا ابن عوف من بيعته لعثمان أن يكون خليفة من بعده كما كان ذلك بالنسبة للشيخين ، واتّجه الإمام صوب القرشيّين فقال لهم : (( ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون )) .
ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده : يا عليّ ، لا تجعل على نفسك سبيلاً . وغادر الإمام المظلوم قاعة الاجتماع وهو يقول : (( سيبلغ الكتاب أجله )) .
والتفت الصحابي العظيم عمّار بن ياسر فخاطب ابن عوف : يا عبد الرحمن ، أما والله لقد تركته ، وإنّه من الذين يقضون بالحقّ وبه كانوا يعدلون .
وانبرى المقداد فرفع صوته قائلاً : تالله , ما رأيت مثل ما أُتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم ! وا عجباً لقريش ! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ أحداً أقضى بالعدل , ولا أعلم ولا ولا أتقى منه ! أما والله لو أجد أعواناً !
وصاح به عبد الرحمن : اتّق الله يا مقداد ؛ فإنّي خائف عليك الفتنة .
وانتهت بذلك مأساة الشورى التي وضعها عمر لصرف الخلافة عن أهل بيت النبوّة ومنحها لبني اُميّة ، وقد رأت عقيلة الوحي السيدةزينب (عليها السّلام) أضغان القرشيّين وحقدهم على أبيها ، وأنّهم قد عملوا جاهدين على إطفاء نور الله ، والإجهاز على رسالة الإسلام الهادفة لتطوير الوعي الاجتماعي ، وإشاعة الخير والهدى بين الناس .
الصفحة (125)
لقد خلقت الشورى العمرية الفتن والضغائن بين المسلمين , وحجبت الاُسرة النبويّة عن القيادة العامة للعالم الإسلامي ، وسلّطت عليهم شرار خلق الله ؛ فأمعنوا في ظلمهم والتنكيل بهم .
وما كارثة كربلاء وما عانته عقيلة بني هاشم السيّدة زينب (عليها السّلام) من صنوف الظلم والكوارث التي هي ـ من دون شك ـ من النتائج المباشرة لأحداث الشورى والسقيفة , فإنّهما الأساس لكلّ ما لحق بآل النبي (
) من الكوارث والخطوب .حكومة عثمان
وتسلّم عثمان قيادة الاُمّة ، وقد احتفّ به بنو اُميّة وآل أبي معيط ، وأخذوا يتصرّفون في شؤون الدولة حسب رغباتهم وميولهم ، ولا شأن لعثمان في جميع المناحي السياسيّة والاقتصادية ؛ فقد كان بمعزل عنها ، وقد سيطر عليها وتسلّم قيادتها مروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ ، والذي يسمّيه معاصروه بالخيط الباطل ؛ وذلك لخبثه وسوء سريرته ، فكان وزيره ومستشاره . وقد هام عثمان بحبّ اُسرته ، وتفانى في الولاء لهم فكان يقول : لو كانت مفاتيح الجنّة بيدي لأعطيتها لبني اُميّة(1) .
وقد أسند مناصب الدولة لهم ، كما عيّنهم ولاة في معظم الأقاليم الإسلاميّة ، ووهبهم الثراء العريض فكانوا في طليعة الرأسماليين في العالم الإسلامي ، وقد عرضنا في بعض كتبنا(2) بصورة موضوعية وشاملة إلى الهبات المالية الهائلة التي منحها عثمان لاُسرته ، كما عرض لها الحجّة الأميني , والدكتور طه حسين , والعقّاد وغيرهم .
وقد أدّت هباته ومنحه الامتيازات الخاصة لهم إلى نقمة المسلمين ,
ـــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد 1 / 62 .
(2) حياة الإمام الحسن ، وحياة الإمام الحسين (
) .الصفحة (126)
وشيوع السخط والتذمّر عليه في معظم الأقاليم الإسلاميّة .
الجبهة المعارضة
ونقمت على عثمان وسخطت على سياسته معظم الصحابة وأعلام الإسلام , وفي طليعتهم :
1 ـ أبو ذرّ الغفاري
2 ـ عمّار بن ياسر
3 ـ السيّدة عائشة
4 ـ طلحة
5 ـ الزبير
6 ـ عبد الرحمن بن عوف
7 ـ عبد الله بن مسعود ، وغيرهم من أقطاب الإسلام وحماته
وقد نكّل عثمان بالكثيرين من معارضيه ؛ فقد نفى الصحابي العظيم أبا ذرّ الغفاري إلى الشام ، ثمّ نفاه إلى الربذة ، وهي صحراء قاحلة خالية من جميع مقوّمات الحياة ، وقد أنهكه الجوع حتّى توفي غريباً جائعاً مظلوماً ، كما نكّل بالصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ، وقطع عنه مرتبه فلم يسعفه شيء حتّى أهلكه الفقر وفي يد عثمان ذهب الأرض وخيراتها .
كما نكّل بأعظم صحابي وأجلّ مجاهد إسلامي , وهو الطيّب ابن الطيّب عمّار بن ياسر ؛ فقد ضربه ضرباً مبرحاً حتّى أصابه فتق واُغمي عليه .
وقد رفعت السيدة عائشة قميص رسول الله (
) وهي تقول : هذا قميص رسول الله (
) لم يبلَ وعثمان قد أبلى سنّته ! كما أفتت بحلّية قتله فقالت : اقتلوا نعثلاً فقد كفر .وقد اشتدّت عليه المعارضة وقويت وامتدّت إلى معظم الأقاليم الإسلاميّة ، وقد استجارت المعارضة بالعراق ومصر وغيرها لإنقاذ المسلمين من
الصفحة (127)
عثمان وبطانته ، فخفّت بعض الكتائب العسكريّة فزحفت إلى يثرب ، وأحاطت بدار عثمان وطلبت منه إبعاد مروان وإقصاء بني اُميّة عنه , أو الاستقالة من منصبه ، فوعدهم بتنفيذ أهم متطلباتهم , وهي إقصاء بني اُميّة , إلاّ أنّه خان بوعده ، وكتب إلى ولاته على الأقطار بالتنكيل بمَنْ استجاب للمعارضة ممّن قدموا إلى يثرب .
وقبض الثوار في أثناء رجوعهم إلى مدنهم على رسائله التي بعثها إلى ولاته في التنكيل بهم , ففزعوا وقفلوا راجعين إلى يثرب ، وعرضوا عليه رسائله وطالبوه بالاستقالة الفورية من منصبه فلم يستجب لهم ، وأصرّ على الاحتفاظ بكرسي الحكم ، فعمدوا إلى الإجهاز عليه فقتلوه شرّ قتلة ، وتركوا جسده مرمياً على مزبلة من مزابل يثرب ؛ استهانة به ، ولم يسمحوا بمواراته إلاّ أنّ الإمام أمير المؤمنين (
) توسّط في دفنه , فاستجاب له الثوار على كره , فدفنوه في حش كوكب .لقد انتهت حكومة عثمان , وقد أخلدت للمسلمين المصاعب والفتن وألقتهم في شرّ عظيم ؛ فقد اتّخذت عائشة قتله وسيلة لتحقيق مآربها وأطماعها السياسيّة , فراحت تُطالب الإمام بدمه ، وهي التي أفتت بقتله وكفره ، كما اتّخذ الذئب الجاهلي معاوية بن هند قتل عثمان ورقة رابحة للتمرّد على حكومة الإمام والمطالبة بدمه .
وعلى أيّ حال , فقد رأت حفيدة النبي (
) السيّدة زينب (عليها السّلام) هذه الأحداث الجسام ووعت أهدافها السياسيّة , فكان لها أعمق الأثر في نفسها ؛ فقد كان لها من المضاعفات السيئة ما اهتز من هولها العالم الإسلامي ، والتي كان من نتائجها كارثة كربلاء التي رُزئت فيها السيدة زينب ؛ فقد عانت من الكوارث والخطوب ما تذوب من هولها الجبال .حكومة الإمام (
)وبعدما أطاح الثوار بحكومة عثمان أحاطوا بالإمام أمير المؤمنين (
) وهم يهتفونالصفحة (128)
بحياته ، ويعلنون ترشيحه لقيادة الاُمّة فليس غيره أولى وأحق بهذا المركز الخطير ، فهو ابن عمّ النبي (
) وأبو سبطيه ، ومَنْ كان منه بمنزل هارون من موسى ، وهو صاحب المواقف المشهورة في نصرة الإسلام والذبّ عنه ، وليس في المسلمين مَنْ يساويه في فضائله وعلومه وعبقرياته ، إلاّ أنّ الإمام رفض دعوتهم ولم يستجب لهم ؛ لعلمه بما سيواجهه من الأزمات السياسيّة ، فإنّ منهجه في عالم الحكم يتصادم مع رغبات الاُسر القرشيّة التي تريد السيطرة على السلطة وإخضاعها لرغباتها الخاصة .فقال (
) للثوار : (( لا حاجة لي في أمركم , فمَنْ اخترتم رضيت به )) .فهتفوا بلسان واحد : ما نختار غيرك .
وعقدت القوات المسلحة مؤتمراً خاصاً عرضت فيه ما تواجهه الاُمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام يدير شؤونها ، وقد قرّرت إحضار المدنيّين وإرغامهم على انتخاب إمام المسلمين ، فلمّا حضروا هدّدوهم بالتنكيل إن لم ينتخبوا إماماً وخليفة للمسلمين ، ففزعوا إلى الإمام أمير المؤمنين (
) وأحاطوا به رافعين عقيرتهم : البيعة , البيعة .فامتنع الإمام (
) من إجابتهم ، فأخذوا يتضرّعون إليه قائلين : أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى ؟!فأجابهم الإمام بالرفض الكامل قائلاً : (( دعوني والتمسوا غيري )) . ثمّ أعرب لهم الإمام (
) عمّا ستعانيه الاُمّة من الأزمات قائلاً : (( أيّها الناس ، إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان , لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول )) .الصفحة (129)
لقد كشف الإمام عمّا سيواجهه المسلمون من الأحداث المروّعة التي تعصف بالحلم وتميد بالصبر ، الناجمة من الحكم المباد الذي عاث فساداً في الأرض ؛ فقد أقام عثمان اُسرته حكّاماً وولاةً على الأقاليم الإسلاميّة فاستأثروا بأموال المسلمين واحتكروها لأنفسهم ، وإنّهم حتماً سيقاومون كلّ مَنْ يريد الإصلاح الاجتماعي ؛ فلذلك امتنع الإمام من إجابة القوم .
ثمّ عرض الإمام على القوات المسلحة وعلى الصحابة وغيرهم منهجه فيما إذا ولي اُمورهم قائلاً : (( إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنّما أنا كأحدكم ، ألا وإنّي من أسمعكم وأطوعكم لمَنْ ولّيتموه )) . واستجاب الجميع لما عرضه الإمام عليهم قائلين : ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك .
وأجّلهم الإمام إلى الغد لينظر في الاُمور ، ولمّا أصبح الصبح هرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم ، فأقبل الإمام (
) فاعتلى أعواد المنبر فخطب الناس ، وكان من جملة خطابه : (( أيّها الناس ، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ مَنْ أمّرتم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم , وإلاّ فلا آخذ على أحد )) .وتعالى هتاف الجماهير بالتأييد والرضا قائلين : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس . وطفق الإمام قائلاً : (( اللّهمّ اشهد عليهم )) .
وقد اتّجهت الناس كالموج صوب الإمام لتبايعه ، وأوّل مَنْ بايعه طلحة , فبايعه
الصفحة (130)
بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله , فتطيّر منها الإمام وقال : (( ما أخلفه أن ينكث ))(1) .
ثمّ بايعه الزبير وهو ممّن نكث بيعته ، وبايعته القوات العسكريّة ، كما بايعه مَنْ بقي من أهل بدر والمهاجرين والأنصار كافة(2) .
ولم يظفر أحد من خلفاء المسلمين بمثل هذه البيعة في شمولها ، وقد فرح بها المسلمون وابتهجوا , ووصف الإمام (
) مدى سرورهم بقوله : (( وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيّاي أن ابتهج بها الصغير , وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب )) .لقد ابتهج المسلمون ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع الأوساط الإسلاميّة بخلافة الإمام أمير المؤمنين (
) رائد العدالة الاجتماعيّة ، والمتبنّي لحقوق الإنسان الذي شارك البؤساء والمحرومين في سغبهم ومحنهم ، القائل : (( أأقنع من نفسي بأن يُقال : أمير المؤمنين , ولا اُشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش ؟! )) .وجوم القرشيّين
واستقبلت قريش خلافة الإمام أمير المؤمنين (
) بكثير من الوجوم والقلق والاضطراب كما استقبلوا نبوّة رسول الله (
) ؛ فإنّ الروح الجاهليّة بما تحمل من عادات وتقاليد وكراهية للحقّ لم تزل مائلة فيهم , ولم يغيّر الإسلام من طباعهم أيّ شيء .وقريش تعرف الإمام جيداً ؛ فهو الذي حصد رؤوس أعلامهم بسيفه ، ومحق
ـــــــــــــــــــــ
(1) العقد الفريد 3 / 93 .
(2) حياة الإمام الحسن (
) 1 / 376 .الصفحة (131)
كبرياءهم في سبيل الإسلام الذي ناهضوه ، وقد خفّ إليه الاُمويّون وفي طليعتهم الوليد فقال للإمام : إنّك قد وترتنا جميعاً ؛ أمّا أنا فقتلت أبي صبراً يوم بدر ، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش ، وأمّا مروان فشتمت أباه ، وعبت على عثمان حين ضمّه إليه , فنبايع على أن تضع عنّا ما أصبنا ، وتعفو عنّا عمّا في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا .
فردّ الإمام عليه مقالته التي لا بصيص فيها من نور الحقّ قائلاً : (( أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحقّ وتركم ؛ وأمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حقّ الله ؛ وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم ؛ وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غداً ، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمَنْ ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم ))(1) .
إنّ الاُمويِّين أرادوا المساومة فيما نهبوه من أموال المسلمين وما اختلسوه من بيت المال ، وهيهات أن يستجيب لهم رائد الحقّ والعدالة في دنيا الإسلام الذي لا تساوي السلطة عنده قيمة حذائه الذي كان من ليف ، وقد انصرفوا عنه وقلوبهم مترعة بالحقد والكراهية له .
وعلى أيّ حال , فقد فزع القرشيّون من حكومة الإمام (
) وخافوا على مصالحهم ونفوذهم وامتيازاتهم التي ظفروا بها في عهد الخلفاء .لقد أيقنوا أنّ الإمام سيعاملهم معاملة عادية ، ولا يميّزهم على أيّ أحد من المسلمين ، وقد كان سيء الظنّ بهم ، وقد أعرب عن مدى استيائه منهم بقوله : (( ما لي ولقريش ! لقد قاتلتهم كافرين , ولأقتلنهم مفتونين . والله لأبقرنّ الباطل
ـــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 155 .
يتبع


تعليق