لمعرفة الاسباب وارضية الذنب يجب أن ننتبه الى عدة مواضيع .
أ : ما هو الانسان وما علاقته بالذنب ؟
1 ـ توجد في الانسان عدة غرائز يجب معرفتها وكيفية استقامتها . ومعرفة طرق الافراط والتفريط فيها .
قال الامام علي ( عليه السلام ) :
« ان الله خصّ الملك بالعقل دون الشهوة والغضب ، وخص الحيوانات بهما دونه وشرّف الانسان باعطاء الجميع ، فان انقادت شهوته وغضبه لعقله صار افضل من الملائكة لوصوله الى هذه المرتبة مع وجود المنازع والملائكة ليس لهم مزاحم » (1) .
____________
(1) جامع السعادات ج 1 ص 34 .
وعلى هذا المنوال المتصاعد فالذين يتبعون العقل يكون مكانهم اعلى من الملائكة لانهم مع توفر الارضية المناسبة للذنب اطاعوا العقل ، أما الذين يتبعون الشهوات والغرائز الحيوانية فانهم كالانعام بل اقل درجة واضل سبيلا . لانه مع وجود العقل اتجهوا الى الغضب والشهوة وتركوا العقل ، وجاء في القرآن الكريم حول الناس الذين اتبعوا غرائزهم الحيوانية ، فنقرأ :
( أولئك كالانعام بل هم اضلّ سبيلاً ) ( سورة الاعراف ـ 179 ـ الفرقان ـ 4 ) .
2 ـ ان علماء الاخلاق يقولون ان السبب لنشوء الذنب عند الانسان يرجع لثلاث قوى :
1 ـ القوة الشهوانية .
2 ـ القوة الغضبية .
3 ـ القوة الوهمية .
القوة الشهوانية : حيث تجر الانسان الى الافراط في اللذات وتكون عاقبته الغرق في الفحشاء والمنكرات .
القوة الغضبية : وهذه القوة لها دور فعّال في طغيان غريزة الغضب عند الإنسان مما تؤدي به الى الظلم والتعدي اللامحدود .
القوة الوهمية : وهذه القوة تهيج حالة التكبر والاعتداء على حقوق الاخرين مما تدعوه الى اقتراف الذنوب الكبيرة (1) .
____________
(1) مقتبس من تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 104 .
لو حققنا في معرفة الذنب بدقة لوجدنا ان اكثر الذنوب ( اذا لم نقل كل الذنوب ) سببها هذه الثلاث قوى . لذلك يجب السيطرة على تنظيمها وأن لا نتركها في طريق الافراط والتفريط فنقع في مستنقع الآثام والذنوب . ولأجل ان نوضح اكثر نأتي بالمثال التالي :
ان سبب حياة البساتين والحيوانات والناس هو ماء النهر . فلو جعلنا سداً وأوقفنا سير الماء فسيتجمع ماء كثير خلف السد . فعند الحاجة نأخذ ما يكفينا . ولو لم نحجز الماء بهذا الأسلوب لطغى الماء ودمر البساتين والمزارع والبيوت .
وهكذا الانسان حيث ان القوى الغضبية يحتاجها للدفاع وقت الحاجة ، وكذلك القوى الشهوانية يجعلها تسير وفق الموازين الشرعية اللازمة .
اذن ، فهاتان الغريزتان لهما طريق شرعي مفتوح ، وبالعكس من ذلك فلو أطلق لهما العنان لعثا صاحبهما في الارض فساداً ولارتكب جرائم وانحرافات جنسية لا حد لها .
ونتيجة لذلك اذا اردنا أن نحفظ المجتمع من التلوث واقتراف الآثام والذنوب يجب علينا ان نسير الغرائز وفق الموازين الشرعية المباحة . وطبيعي ان هذا التعديل للغرائز يحتاج الى برنامج خاص اشرنا في هذا الكتاب الى قسمٍ منه .



____________
(1) جامع السعادات ج 1 ص 34 .









____________
(1) مقتبس من تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 104 .





ب ـ حفظ سلامة القلب ( مركز الادراكات ) :
نجد في القرآن والروايات كثيراً ما ترد كلمة « القلب » ومعناه مركز الاوامر والادراكات ، فالقلب السليم الطاهر هو مركز الافعال الحسنة . وعلى العكس من ذلك فالقلب الغير سليم والمظلم هو مركز الافعال الفاسدة . فمن أراد السير في طريق طاعة الله سبحانه وتعالى يجب عليه ان يطهّر قلبه ويحافظ على طهارته .
فالكلام حول القلب جاء ( 132 مرة ) في القرآن الكريم ، ففي آياتٍ عديدة أكدت ان قلوب الكافرين والمنافقين والمجرمين قد ختم الله سبحانه عليها . فقلب مريض ، وقلب قاسٍ ، وقلب منحرف ، عبر عنها بقلب مختوم .
والبحث حول القلب يحتاج الى شرح طويل لا يمكن لهذا الكتاب احتوائه وذكره كلّه .
بل نذكر هنا نقطة مهمة في حفظ طهارة القلب ، ولننتبه الى هذا الحديث الشريف .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« ما من مؤمن الا ولقلبه أذنان في جوفه ، أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأنذن ينفث فيها الملك ... » . (1) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 267 .
ج ـ النية الطاهرة وغير الطاهرة :
النية الطاهرة هي مركز الاعمال الحسنة ، والنية الملوثة والغير طاهرة هي منشأ الانحراف والذنب ، لماذا ؟ لان ماء العين الملوثة له الاثر البالغ في تلوث المياه الأخرى . وعليه فاذا أردنا ان لا نشرب من المياه الملوثة فيجب علينا ان نسرع الى عينها لأجل تنقيتها « فالويل اذا ذهب الوقت وفسد الملح » .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« نية المؤمن خير من عمله ، ونية الكافر شر من عمله وكل عاملٍ يعمل على نيته » (1) .
هنالك أمور كثيرة يمكن قولها في شرح هذا الحديث . وأحسن الاقوال هو « النية هي مقر ومركز القرارات » .
اذن فكيف نأتي بالاعمال كماً وكيفاً ؟ نأتي بها اذا طهر المركز فعندها تكون الاعمال طاهرة بالكيفية الصحيحة . واذا لم يكن المركز كذلك فهو يؤدي الى الفساد ويصبح مركزاً للذنوب والاعمال السيئة . فنية المؤمن اذا كانت طاهرة تكون مركزاً للأعمال الحسنة بالكيفية العالية حتى لو كانت اعماله غير موجودة فعلاً لأنه يمتلك الارضية للاعمال الطاهرة .
وان كانت نية الكافر غير طاهرة فيصبح مركزاً للفساد حتى ولو لم يعمل اي شيء لانه يمتلك الارضية للاعمال القبيحة . وايضاً لتلوث
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 84 .
فكره ، فمن المحتمل ان يمارس اي ذنب عظيم .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) :
« انما خلد اهل النار في النار لان نيّاتهم كانت في الدنيا ان لو خلدوا فيها يعصوا الله أبداً وانما خلّد اهل الجنة في الجنّة لان نيّاتهم كانت في الدنيا ان لو بقوا فيها يطيعوا الله أبداً فبالنيات خلّد هؤلاء ثم تلا قوله تعالى :
( قل كلّ يعمل على شاكلته ) قال : على نيّته » (1) .
وبعد ذلك نقول : إنّ هناك عوامل كثيرة مثل ، الغذاء ، والصديق ، والمحيط وهذه العوامل تلعب دوراً هاماً في طهارة النية .
فاذا كان الطعام حلالاً ، والصديق والمحيط جيّدين فهذه عوامل مساعدة على تطهير النية ، وعلى العكس فالغذاء الحرام والصديق غير الصالح ومحيط السوء تشكل عوامل النية ، والخلاصة هي أن كل الاعمال في الاسلام اذا كانت خالصة لله تعالى فانها تقع مورداً لقبول الحق سبحانه .
قال الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :
« ان الله لا يقبل عملاً فيه مثقال ذرةٍ من رئاء » (2) .
قال الامام الصادق ( عليه السلام ) : « ان المؤمن ليهم بالحسنة ولا يعمل بها فتكتب له حسنة وان هو عملها كتبت له عشر حسنات وان المؤمن ليهم بالسيئة أن يعلمها فلا يعملها فلا تكتب عليه » (1) .
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 85 .
(2) بحار الانوار : ج 72 ، ص 304
د ـ صيانة الحب والبغض :
الحب والبغض مركز آخر في وجود الأنسان . فلذلك يجب ان ينظم حسب الأسس الاسلامية . لأن الحب والعلاقة بالشيء يوجب عمل ذلك الشيء وبغضه يوجب الترك والابتعاد عنه . وهذه المسألة مهمة لغاية أن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال فيها :
« وهل الايمان الاّ الحب والبغض » .






____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 267 .
ج ـ النية الطاهرة وغير الطاهرة :






____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 84 .
فكره ، فمن المحتمل ان يمارس اي ذنب عظيم .








____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 85 .
(2) بحار الانوار : ج 72 ، ص 304
د ـ صيانة الحب والبغض :


مثال للتوضيح :
كان رجل جالساً في بيته فجاءت قطة وسرقت قطعة اللحم ثم هربت، ولشدة حب الرجل الى اللحم أخذ يطاردها ولكن القطة خرجت من البيت هاربة الى الزقاق فتركها ولم يتابعها اكثر من ذلك لان حبه الى اللحم لم يكن اكثر من هذا . ولو جاء ثعلب وسرق دجاجة منه فانه يطارد الثعلب من زقاقٍ الى آخر حتى يذهب الى الصحراء فيتركه ، كذلك فحبه للدجاجة وبغضه الى الثعلب بهذا المستوى . أما اذا جاءه ذئب واخذ منه كبشاً فانه كذلك يطارده حتى ولو وصل الى الصحراء لعله يدرك كبشه المسروق . ولكن اذا صعد الجبال فانه يتركه لأن حبه الى كبشه لم يكن اكثر من ذلك ، أما اذا جاء ، حيوان مفترس
____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 428 .
وأخذ ابنه الصغير فانه يتبع ذلك الحيوان المفترس في الصحراء والجبال ويطارده ليلاً ونهاراً عله يحصل على ابنه . ويقول في نفسه لا أتركه حتى ولو أحصل على جنازته فيجب ان اتبعه .
وبهذا المثال نرى انه كلّما ازداد حب الإنسان الى شيءٍ ازداد تعلقه بذلك الشيء ، وكلما ازداد بغضه الى شيء ازداد ابتعاده وكراهيته لذلك الشيء .
ان المذهب الاسلامي يعين لنا أن الحب والبغض اذا كانا وفق التشريع الاسلامي الصحيح فالعامل بهذا المبدأ مطيع لله سبحانه وهكذا يطهر وينظف مركز القرارات للانسان .

____________
(1) اصول الكافي ج 2 ص 428 .
وأخذ ابنه الصغير فانه يتبع ذلك الحيوان المفترس في الصحراء والجبال ويطارده ليلاً ونهاراً عله يحصل على ابنه . ويقول في نفسه لا أتركه حتى ولو أحصل على جنازته فيجب ان اتبعه .


هـ ـ صيانة مركز التفكير :
هنالك مركز آخر في وجود الانسان ومنه تنبع جميع الأعمال ، الا وهو التفكير الصحيح الذي يوجهه للاعمال الصحيحة .
أما التفكير الخاطيء والملوث فانه يوجهه نحو التلوث والانحراف .
( تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علّوا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتّقين )
( الآية 83 من سورة القصص ) .
هذه الآية الكريمة تنهى عن التكبر والفساد .
في حديث في الفكر والذهن لامير المؤمنين عليه ( عليه السلام ) :
« ان الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من نعل صاحبه فيدخل تحتها » . (1)
وقال في حديث آخر :
« من كثر فكره في المعاصي دعته اليها » (2) .
وعندما كان يتحدث عيسى ( عليه السلام ) الى الحواريين قال لهم « .... وأنا آمركم أن لا تحدثوا أنفسكم بالزنا فضلاً من أن تزنوا » . (3)
فالتفكير بالذنب يلوث مركز تصميم الانسان ، وانّ مركزاً هكذا تفكيره فهو اقرب الى ظلمة الذنب من نورانية طاعة الله سبحانه .



( الآية 83 من سورة القصص ) .







العوامل المحفزة للذنب :
في هذا البحث « معرفة الذنب » موضوع في غاية الأهمية يجب معرفته بعد معرفة الاسباب الاصلية للذنب وهذا الموضوع هو : معرفة الارضية لنشوء الذنب .
لذلك قالوا : مقدار القابلية لقبول الذنب عامل مهم مؤثر في تهذيب النفس ، فلا يوجد أدنى شكّ في أنّ طبع المطر لطيف لكن ينبت الورد الجميل في البستان وينبت الشوك في السبخة .
فالذي لا يذنب يجب عليه الانتباه الى الارضية المهيئة للذنب ويشخصها ويعرفها عند ذلك يقف أمامها ويعالجها . فقلة الفيتامينات
____________
(1) تفسير جوامع الجامع .
(2) فهرس الغرر ( الذنب ) .
(3) بحار الانوار : ج 14 ، ص 133 ـ سفينة البحار : ج 1 ص 560 .
المختلفة في بدن الانسان تؤدي الى تعرّض البدن للجراثيم وتجذر فيه الامراض . ولاجل معالجة البدن من الامراض يجب ان يعوّض ما يحتاجه من الفيتامينات . ليكتسب المناعة الكاملة ضد الامراض .
وعلى هذا الاساس يجب ان نعلم بارضية الذنب وكيفية معالجتها . فمثلاً اذا كان في البيت حضيرة لتجمع الماء القذر فمن البديهي أن تكون هذه الحفرة منتجعاً للبعوض والحشرات الضارة التي تسبب الأمراض الخطيرة ؛ فلا جدوى من مكافحة الحشرات الاّ بسدً فوهة الحفرة ( البالواعة ) .
ولمعرفة ارضيات الذنب نستطيع أن نذكر أموراً كثيرة بالكمية والكيفية الخاصة التي ساعدت على ارتكاب الذنب . فنبحث عدة أمور ساعدت على تهيئة الارضية للذنب :



____________
(1) تفسير جوامع الجامع .
(2) فهرس الغرر ( الذنب ) .
(3) بحار الانوار : ج 14 ، ص 133 ـ سفينة البحار : ج 1 ص 560 .
المختلفة في بدن الانسان تؤدي الى تعرّض البدن للجراثيم وتجذر فيه الامراض . ولاجل معالجة البدن من الامراض يجب ان يعوّض ما يحتاجه من الفيتامينات . ليكتسب المناعة الكاملة ضد الامراض .








تعليق