التربية الروحية في فكر الامام أمير المؤمنين (ع)
يتبعـ.....
قال الله تعالى : « ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها » (1).
مقدمة في بيان علم الاخلاق : لو طالعنا اللغة نجد مفردتين احداهما الخَلْقُ ( بفتح الخاء ) وهي متعلقة بالهيئات والأشكال والصور المدركه بالبصر والثانية ( الخُلُق بضمها ) ـ الذي هو محل كلامنا ـ وهو متعلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة ، والخلاق ما اكتسبه الانسان من الفضيلة بخُلقُه.
واما علم الاخلاق فهو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والانسانية ، وتمييز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الانسان بالتحلّي والاتصاف بها سعادته العلمية فيصدر عنه من الافعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الانساني.
والانسان أي انسان يفطر على قوىً ثلاثة وهي القوى التي تبعث النفس نحو العمل وهي ، الشهوية ، والغضبية ، والنطقية الفكرية فأما الشهوية فهي التي تبعث الانسان نحو استجلاب المنفعة بالأكل والشرب والنكاح واللبس ونحوها ، واما الغضبية فهي التي تبعث نحو دفع الضرر والدفاع عن النفس عند مواجهة الخطر بكل أنواعه ، واما النطقية الفكرية فهي التي تؤلف القضايا والقياسات وتنتهي الى التصورات والتصديقات التي تنتهي بالتالي الى الحكم في ما يواجهه الانسان في عالم حضوره وذهنه.
____________
(1) الشمس : 7 ـ 10.
(2) المفردات : ص 297.
فذات الانسان اذاً مركبة من قوىً ثلاثة تسير كلها بنظم خاص ولواختل هذا النظم بافراط أو تفريط ، زيادة أو نقيصه خرج المركب عن حده وبطلت الغاية في أصل التركيب ، والغاية هي سعادة الانسان المندرجة تحت كماله .
والتقوى هي السلّم التي يقي هذه القوى من الخروج عن حد الاعتدال ولذا نجد الامام أمير المؤمنين (ع) يجعلها محوراً في كثير من كلماته وعظاته التي وجدت في نهج البلاغة .
فقال سلام الله عليه ) في بعض كلماته « إعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل ، لا يمنع اهله ولا يحرز من لجأ إليه ، إلا بالتقوى تقطع قمّة الخطايا ، وباليقين تدرك الغاية القصوى ».
ولكن في البدء لا بد من التعرّف جيداً على حقيقة التقوى كي يتسنى لنا أن تستلهمها أكثرمن دروس سيد المتقين (ع) ولابد أن نعرف كيف نربّي نفوسنا عليها كي ترتقي من خسّه الحيوانية الى شرف الانسانية.
1 ـ ماهية التقوى :
قال الله تعالى : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين ) (1) الذين نعتوا بالتقوى ، والتقوى من الوقاية وهي لغة حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره يقال وقيت الشيء أقيه وقايةً ووقاءً ، والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف ، ثم يسمى الخوف تارةً تقوى ، والتقوى حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه ، والمقتضى بمقتضاه وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤلم وذلك بترك المحظور ، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي « الحلال بيّن والحرام بيّن ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه » (2)
إذن التقوى بعرف أهل الشرع هو حفظ النفس التي جعلها الله تعالى امانةً عند الانسان وعدم القائها في التهلكة اثر التبعية الشيطانية التي تصبح عند النفس على أثر تغلّب الهوى على القوى.
والتقوى هي الثمرة المطلوبة ترتباً على العبادات والفرائض ، لذا يقول عز من قائل ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (1) وكذلك قوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) (2) الى غير ذلك من الآيات.
التربية الروحية وعلاقة التقوى بذلك
التربية : هي انشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام وهكذا النفس ، يربّيها الانسان حالاً فحالاً في التقوى الديني حتى تصل إلى الكمال الذي ينبغي لها فيصبح زكياً لقوله تعالى ( قد أفلح من زكاها ) (3) فنفوسنا اذاً تحتاج إلى تربية والتربية هي تهذيب النفس شيئاً فشيئاً ومن هذا يتضح لنا أمور.
1 ـ أن نفوسنا تحتاج إلى تربية.
2 ـ التربية هي انشاء الشيء حالاً فحالاً فلا يمكن تحميل النفوس أكثر مما تتحمل ، ولذا قال تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) (4).
3 ـ لكل نفس قابلية على التعلّم والتربّي وكل أحد منا مفطور على ذلك.
4 ـ لا نقتصر ونكتفي بقلة اعمالنا لأننا في دورة تربويّة تحتاج إلى معرفة أكثر يوماً فيوم وهذه الدروس جميعاً نستلهمها من مدرسة سيد الأوصياء (ع) حينما نتعرّف على بعض خطبه المتعلقة بالتربية الروحية.
____________
(1) البقرة : 183.
(2) العنكبوت: .
(3) الشمس : 9.
(4) البقرة : 286.
التقوى في كلام سيد الأوصياء (ع)
قال (ع) في احدى خطبه ( أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاذ زاد مبلغ ومعاذ منجح دعا إليها أسمع داعٍ ووعاها خيرُ واعٍ فأسمع داعيها وفاز واعيها.
لا يزال سيد الاوصياء (ع) يروي نفوسنا ويزوّدها بزاد التقوى ، ويعدّ لها السلاح الكفوء لمجابهة العدو ، ويعطينا رقية العلاج من الوقوع في ذل الاستخفاف الشيطاني وذلك بوصية لنا بالتقوى.
واعتبر (ع) التقوى هوالزاد الذي نعدّه في الدنيا لسفرنا الأخروي ، والمعاذ والملجأ الذي به تتقوى على مشقة هذا السفر ، لأن هذا الزاد هو الزاد الذي يُوصل القاصد إلى مقصده ، ويبلغ به العاقل غايته ، فكل عاقل أن يأخذ لسفره ما يليق به من طول المسافة ، وبعد الطريق حتى يبلغ مقصده على أحسن ما يرام . والذي له لب لا يأخذ في سفره إلا ما يؤدي به إلى نجاحه لأنه يترك متاعاً يجعله متحيراً وسط الطريق لا يستطيع أن يرجع ولا يستطيع أن يكمل مسيره . إذن لابد أن يكون هذا المتاع متصفاً بصفات :
1 ـ لابد أن يكون الزاد قابلاً للّجوء إليه وحاوياً على طاقة تؤمّن المسافر في طيلة السفر.
2 ـ لابد أن يكون الزاد كافياً غير منقطعاً لئلا تبطل الغاية من السفر.
3 ـ لابد أن يكون مطمئناً من كفاية الزاد ومدى إنجاحه ومتيقناً أنه هو الذي يوصله دون غيره ، فهو كالدابة السليمة الصحيحة التي لا تخن به وسط الطريق فيبقى متحيراً لا يدري أين يؤول به المسير .
وهذا الزاد الحاوي للصفات هي دعوة دعا إليها الله تعالى الذي هو أسمع السامعين وأجابها ولباها من له لبّ.
وابرز مصداق لمن دعى بدعوة الحق هو الرسول (ص) ، والواعي الذي وعاها هو الوجود المقدس
لأمير المؤمنين سلام الله عليه الذي نزل فيه قوله تعالى ( وتعيها إذن واعية ) (1) لذلك كان لا يأمر بشيء حتى يكون أول عاملٍ به.
( فأسمع داعيها وفاز واعيها ) وفي ذلك يقول تعالى : ( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما يتقون ان الله بكل شيء عليم ) (2) فدعوة الحق عامة وشاملة وفي معرض الوصول الى الناس لذلك يقول (ع) فأسمع واعيها أي لم يبق أحد من المكلفين إلا وقد اسمعه تلك الدعوة ومن كلام الامام (ع) هذا نعرف امور :
1 ـ عالمية هذه الدعوة وعدم اختصاصها بفئة دون اخرى ( رحمة للعالمين ).
2 ـ اسماع الناس لهذه الدعوة وكونها في متناول الجميع فلا يبق أحد يقول لم أعلم . وذلك لوجود وسائل الاعلام والارتباطات الربانيّة وهم أهل بيت الرحمة ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله ) (3).
3 ـ لابد أن تكون هذه الدعوة دائمية لأن الظلم دائمي ، ولابد أن تكون طويلة الأمد حتى تستغرق جميع الأرض ومن عليها وفي ذلك يقول تعالى ( ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (4) وقد نص ارباب التفسير أن مشمول الدعوه وانتشارها بهذا النحو لا يكون إلا عند ظهور المهدي ( عج ) فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، فلا يبقى بيت إلا ودخله الاسلام إما بذل ذليل أو بعز عزيز كي تستفيد من القرآن الكريم فائدة دائميّة ، ونعرف أنه معجزة خالدة سوف تبقى الى قيام يوم الساعة لا أنه مجرد كتاب تأريخي يسرد علينا الأحداث التي حصلت في صدر التشريع.
4 ـ لابد أن يكون المؤدي لهذه الرسالة والسبب الذي يوصلها للناس كفوءاً حاوياً لجميع الفضائل التي كانت للرسول (ص) وهذه الشخصية تنحصر بالوجود المقدس لسيد الأوصياء (ع) وأولاده المعصومين لما في غيرهمن هفوات كثيرة شهد لها العدو والصديق.
____________
(1) الحاقة : 12.
(2) الاحزاب : 39.
(3) التوبة : 115.
(4) التوبة : 33.
( ففاز واعيها ) والفوز والفلاح والنجاح لمن لبى هذه الدعوة ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) (1) ولم يصبه شك أو تعتريه شبهه وبقي متمسكا بها حتى يرحل الى ربه ، فالمعيار في السماع هو الإستجابة وإلا فما قيمة سامع غير مستجيب ، وليس هو إلا كما يقول الشاعر :
قد اسمعت لو ناديت حياً * ولكن لا حياة لمن تنادي
فكم هم الذين لهم آذان لا يسمعون بها والذين لهم أبصار لا يبصرون بها ، لأن العمى حسب تعبير القرآن الكريم ليس عمى العين فحسب بل تعمى القلوب التي في الصدور . فالفوز اذن لمن سمع واستجاب لذلك يقول تعالى ( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (2). والفوز والسعادة هذه هي المستقر الأخير لمن خشي الله تعالى في السر والعلانية وخاف الله كأنه يراه وفيه يقول تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (3) وقوله سبحانه ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) (4).
وقوله (ع) فأسمع واعيها يدل على أن الدعوة الى التقوى مدعومة ومؤيدة بحجة معذّرية على العباد لأن الله تعالى يقول : ( ما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) (5) ولذا جعل الله تعالى الدعوة في معرض الوصول الى المكلفين فما لم يصل الى المكلف فهو معذور عن ادائه ولو حجب الله تعالى وصول الأوامر لقبح أن يحاسب المطلق على عدم الاداء ، والقبح لا يصدر من ساحته المقدسة لأنه ظلم وقد كتب على نفسه الرحمة.
____________
(1) الزمر : 18.
(2) البقرة : 186.
(3) الحجرات : 13.
(4) الطلاق : 3.
(5) التوبة : 115.
نقلة موفقة باذن الله تعالى:65:
تحيااااتي للجميع
أختكم نورجهان
مقدمة في بيان علم الاخلاق : لو طالعنا اللغة نجد مفردتين احداهما الخَلْقُ ( بفتح الخاء ) وهي متعلقة بالهيئات والأشكال والصور المدركه بالبصر والثانية ( الخُلُق بضمها ) ـ الذي هو محل كلامنا ـ وهو متعلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة ، والخلاق ما اكتسبه الانسان من الفضيلة بخُلقُه.
واما علم الاخلاق فهو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والانسانية ، وتمييز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الانسان بالتحلّي والاتصاف بها سعادته العلمية فيصدر عنه من الافعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الانساني.
والانسان أي انسان يفطر على قوىً ثلاثة وهي القوى التي تبعث النفس نحو العمل وهي ، الشهوية ، والغضبية ، والنطقية الفكرية فأما الشهوية فهي التي تبعث الانسان نحو استجلاب المنفعة بالأكل والشرب والنكاح واللبس ونحوها ، واما الغضبية فهي التي تبعث نحو دفع الضرر والدفاع عن النفس عند مواجهة الخطر بكل أنواعه ، واما النطقية الفكرية فهي التي تؤلف القضايا والقياسات وتنتهي الى التصورات والتصديقات التي تنتهي بالتالي الى الحكم في ما يواجهه الانسان في عالم حضوره وذهنه.
____________
(1) الشمس : 7 ـ 10.
(2) المفردات : ص 297.
فذات الانسان اذاً مركبة من قوىً ثلاثة تسير كلها بنظم خاص ولواختل هذا النظم بافراط أو تفريط ، زيادة أو نقيصه خرج المركب عن حده وبطلت الغاية في أصل التركيب ، والغاية هي سعادة الانسان المندرجة تحت كماله .
والتقوى هي السلّم التي يقي هذه القوى من الخروج عن حد الاعتدال ولذا نجد الامام أمير المؤمنين (ع) يجعلها محوراً في كثير من كلماته وعظاته التي وجدت في نهج البلاغة .
فقال سلام الله عليه ) في بعض كلماته « إعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل ، لا يمنع اهله ولا يحرز من لجأ إليه ، إلا بالتقوى تقطع قمّة الخطايا ، وباليقين تدرك الغاية القصوى ».
ولكن في البدء لا بد من التعرّف جيداً على حقيقة التقوى كي يتسنى لنا أن تستلهمها أكثرمن دروس سيد المتقين (ع) ولابد أن نعرف كيف نربّي نفوسنا عليها كي ترتقي من خسّه الحيوانية الى شرف الانسانية.
1 ـ ماهية التقوى :
قال الله تعالى : ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين ) (1) الذين نعتوا بالتقوى ، والتقوى من الوقاية وهي لغة حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره يقال وقيت الشيء أقيه وقايةً ووقاءً ، والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف ، ثم يسمى الخوف تارةً تقوى ، والتقوى حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه ، والمقتضى بمقتضاه وصار التقوى في تعارف الشرع حفظ النفس عما يؤلم وذلك بترك المحظور ، ويتمّ ذلك بترك بعض المباحات لما روي « الحلال بيّن والحرام بيّن ومن رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه » (2)
إذن التقوى بعرف أهل الشرع هو حفظ النفس التي جعلها الله تعالى امانةً عند الانسان وعدم القائها في التهلكة اثر التبعية الشيطانية التي تصبح عند النفس على أثر تغلّب الهوى على القوى.
والتقوى هي الثمرة المطلوبة ترتباً على العبادات والفرائض ، لذا يقول عز من قائل ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) (1) وكذلك قوله تعالى ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) (2) الى غير ذلك من الآيات.
التربية الروحية وعلاقة التقوى بذلك
التربية : هي انشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام وهكذا النفس ، يربّيها الانسان حالاً فحالاً في التقوى الديني حتى تصل إلى الكمال الذي ينبغي لها فيصبح زكياً لقوله تعالى ( قد أفلح من زكاها ) (3) فنفوسنا اذاً تحتاج إلى تربية والتربية هي تهذيب النفس شيئاً فشيئاً ومن هذا يتضح لنا أمور.1 ـ أن نفوسنا تحتاج إلى تربية.
2 ـ التربية هي انشاء الشيء حالاً فحالاً فلا يمكن تحميل النفوس أكثر مما تتحمل ، ولذا قال تعالى ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) (4).
3 ـ لكل نفس قابلية على التعلّم والتربّي وكل أحد منا مفطور على ذلك.
4 ـ لا نقتصر ونكتفي بقلة اعمالنا لأننا في دورة تربويّة تحتاج إلى معرفة أكثر يوماً فيوم وهذه الدروس جميعاً نستلهمها من مدرسة سيد الأوصياء (ع) حينما نتعرّف على بعض خطبه المتعلقة بالتربية الروحية.
____________
(1) البقرة : 183.
(2) العنكبوت: .
(3) الشمس : 9.
(4) البقرة : 286.
التقوى في كلام سيد الأوصياء (ع)
قال (ع) في احدى خطبه ( أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي هي الزاد وبها المعاذ زاد مبلغ ومعاذ منجح دعا إليها أسمع داعٍ ووعاها خيرُ واعٍ فأسمع داعيها وفاز واعيها.
لا يزال سيد الاوصياء (ع) يروي نفوسنا ويزوّدها بزاد التقوى ، ويعدّ لها السلاح الكفوء لمجابهة العدو ، ويعطينا رقية العلاج من الوقوع في ذل الاستخفاف الشيطاني وذلك بوصية لنا بالتقوى.
واعتبر (ع) التقوى هوالزاد الذي نعدّه في الدنيا لسفرنا الأخروي ، والمعاذ والملجأ الذي به تتقوى على مشقة هذا السفر ، لأن هذا الزاد هو الزاد الذي يُوصل القاصد إلى مقصده ، ويبلغ به العاقل غايته ، فكل عاقل أن يأخذ لسفره ما يليق به من طول المسافة ، وبعد الطريق حتى يبلغ مقصده على أحسن ما يرام . والذي له لب لا يأخذ في سفره إلا ما يؤدي به إلى نجاحه لأنه يترك متاعاً يجعله متحيراً وسط الطريق لا يستطيع أن يرجع ولا يستطيع أن يكمل مسيره . إذن لابد أن يكون هذا المتاع متصفاً بصفات :
1 ـ لابد أن يكون الزاد قابلاً للّجوء إليه وحاوياً على طاقة تؤمّن المسافر في طيلة السفر.
2 ـ لابد أن يكون الزاد كافياً غير منقطعاً لئلا تبطل الغاية من السفر.
3 ـ لابد أن يكون مطمئناً من كفاية الزاد ومدى إنجاحه ومتيقناً أنه هو الذي يوصله دون غيره ، فهو كالدابة السليمة الصحيحة التي لا تخن به وسط الطريق فيبقى متحيراً لا يدري أين يؤول به المسير .
وهذا الزاد الحاوي للصفات هي دعوة دعا إليها الله تعالى الذي هو أسمع السامعين وأجابها ولباها من له لبّ.
وابرز مصداق لمن دعى بدعوة الحق هو الرسول (ص) ، والواعي الذي وعاها هو الوجود المقدس
لأمير المؤمنين سلام الله عليه الذي نزل فيه قوله تعالى ( وتعيها إذن واعية ) (1) لذلك كان لا يأمر بشيء حتى يكون أول عاملٍ به.
( فأسمع داعيها وفاز واعيها ) وفي ذلك يقول تعالى : ( وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما يتقون ان الله بكل شيء عليم ) (2) فدعوة الحق عامة وشاملة وفي معرض الوصول الى الناس لذلك يقول (ع) فأسمع واعيها أي لم يبق أحد من المكلفين إلا وقد اسمعه تلك الدعوة ومن كلام الامام (ع) هذا نعرف امور :
1 ـ عالمية هذه الدعوة وعدم اختصاصها بفئة دون اخرى ( رحمة للعالمين ).
2 ـ اسماع الناس لهذه الدعوة وكونها في متناول الجميع فلا يبق أحد يقول لم أعلم . وذلك لوجود وسائل الاعلام والارتباطات الربانيّة وهم أهل بيت الرحمة ( الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله ) (3).
3 ـ لابد أن تكون هذه الدعوة دائمية لأن الظلم دائمي ، ولابد أن تكون طويلة الأمد حتى تستغرق جميع الأرض ومن عليها وفي ذلك يقول تعالى ( ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) (4) وقد نص ارباب التفسير أن مشمول الدعوه وانتشارها بهذا النحو لا يكون إلا عند ظهور المهدي ( عج ) فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، فلا يبقى بيت إلا ودخله الاسلام إما بذل ذليل أو بعز عزيز كي تستفيد من القرآن الكريم فائدة دائميّة ، ونعرف أنه معجزة خالدة سوف تبقى الى قيام يوم الساعة لا أنه مجرد كتاب تأريخي يسرد علينا الأحداث التي حصلت في صدر التشريع.
4 ـ لابد أن يكون المؤدي لهذه الرسالة والسبب الذي يوصلها للناس كفوءاً حاوياً لجميع الفضائل التي كانت للرسول (ص) وهذه الشخصية تنحصر بالوجود المقدس لسيد الأوصياء (ع) وأولاده المعصومين لما في غيرهمن هفوات كثيرة شهد لها العدو والصديق.
____________
(1) الحاقة : 12.
(2) الاحزاب : 39.
(3) التوبة : 115.
(4) التوبة : 33.
( ففاز واعيها ) والفوز والفلاح والنجاح لمن لبى هذه الدعوة ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) (1) ولم يصبه شك أو تعتريه شبهه وبقي متمسكا بها حتى يرحل الى ربه ، فالمعيار في السماع هو الإستجابة وإلا فما قيمة سامع غير مستجيب ، وليس هو إلا كما يقول الشاعر :قد اسمعت لو ناديت حياً * ولكن لا حياة لمن تنادي
فكم هم الذين لهم آذان لا يسمعون بها والذين لهم أبصار لا يبصرون بها ، لأن العمى حسب تعبير القرآن الكريم ليس عمى العين فحسب بل تعمى القلوب التي في الصدور . فالفوز اذن لمن سمع واستجاب لذلك يقول تعالى ( فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) (2). والفوز والسعادة هذه هي المستقر الأخير لمن خشي الله تعالى في السر والعلانية وخاف الله كأنه يراه وفيه يقول تعالى ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) (3) وقوله سبحانه ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) (4).
وقوله (ع) فأسمع واعيها يدل على أن الدعوة الى التقوى مدعومة ومؤيدة بحجة معذّرية على العباد لأن الله تعالى يقول : ( ما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) (5) ولذا جعل الله تعالى الدعوة في معرض الوصول الى المكلفين فما لم يصل الى المكلف فهو معذور عن ادائه ولو حجب الله تعالى وصول الأوامر لقبح أن يحاسب المطلق على عدم الاداء ، والقبح لا يصدر من ساحته المقدسة لأنه ظلم وقد كتب على نفسه الرحمة.
____________
(1) الزمر : 18.
(2) البقرة : 186.
(3) الحجرات : 13.
(4) الطلاق : 3.
(5) التوبة : 115.
نقلة موفقة باذن الله تعالى:65:
تحيااااتي للجميع
أختكم نورجهان
يتبعـ.....


تعليق