• أهلا وسهلا بكم في منتديات أحباب الحسين

    إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التفضل 
    بالتسجيل ، إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع
    فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

في ذكرى استشهاد اسد الله الغالب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ** خـادم العبـاس **

    • Mar 2009
    • 17496

    في ذكرى استشهاد اسد الله الغالب

    وكفله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صباه، كما كفل أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صباه، فكأنه أراد مكافأة عمه في ذلك، أو الإعراب له عن وفاته له عند ضيق ذات يده، وتضخم عائلته وولده، فنشأ عليّ في ظلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغذوه بتربيته، ويوجهه بسيرته، فيقتبس منه حسن السمت ورتابة الهدي.





    وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان عليّ عليه السلام : أول القوم إسلاما، وهو بذلك أقدمهم إيمانا وهو في العاشرة من عمره، أو أكثر من ذلك بقليل. بعث النبي يوم الأثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء، وقد قبل النبي إسلامه
    صبيا، وتلك إحدى كراماته في الأقل، واحتضنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتضان الأخ الشقيق لأخيه، وأقام على تربيته أولا بأول، فقد ربيّ ـ إذن ـ في حجر الإسلام، ورضع من ثدي الإيمان ثاني اثنين هو وخديجة بنت خويلد زوج النبي وأم المؤمنين، ولم يسجد لصنم قط شأن أترابه، ولم يألف حياة الأصنام كما ألفها سواه، فقيل : كرّم الله وجهه، وهذه كرامة أخرى تضاف الى كرامات سبقت، وفضائل تقدمت منذ قليل : ولادته في الكعبة، ونشأته في حجر النبي صلى ا لله عليه وآله وسلم، وقبول إسلامه مبكرا « فامتاز بين السابقين الأولين بأنه نشأ نشأة إسلامية خالصة، وامتاز كذلك بأنه نشأ في منزل الوحي بأدق معاني هذه الكلمة وأضيقها ».
    وكان عليّ في أول عهده بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلبث هذا التأمل الدائم في تفكير محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويترصد هذه الخلوة الروحية لديه، وهو يقلب وجهه في السماء، ويتجه بضميره لله في حالة من الخشوع والترقب والابتهال، حتى إذا فجأه الوحي، وعى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الانقطاع الكلي الى ما يوحى إليه، وتبصّر في هذا التلاحم ـ الغريب على حياة العرب ـ بينه وبين الله تعالى، وإذا بنفسه تمتلى غبطة بما يشاهد، وإذا بالرؤى تزدحم عليه فيما يجد، حياة روحية خالصة.
    وكابد عليّ ما كابد محمد من شظف العيش، ومرارة الجوع والظمأ، وكان أسوة له في مكاره الدهر وعاديات الزمن، ومحمد يعلن دعوته في حذر، ويعرض رسالته في أناة، فلا هي علنية كما يشاء الإعلان، ولا هي سرية بحيث لم تعرف، ولكنها شيء بين ذلك، حتى إذا نزل قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) جمع النبي بني هاشم وعرض عليهم الإسلام، فكان مشهدا عاطفيا مؤثرا، مجتمع الأهل والعشيرة والأقربين، ولكنه كان مثيرا ومتوترا في الوقت نفسه، فعليّ يولم لهذا الجمع بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقدم لهم ما أولم، ولو قدّم لأحدهم لأتى عليه كله، ولكنه الشبع للجميع، ويسقيهم ما طاب وطهر فيتملكهم الري، فينطلق أبو لهب قائلا : ( سحركم والله محمد ) وينفض الجمع.


    علي في عنفوان شبابه ومرحلة الزهد والايثار
    وها هو الفتى في عنفوان شبابه، ومقتبل رجولته : يحاول أن يجمع شمله بمن يسكن إليه؛ ويعيّن ذلك السكن؛ إنها الزهراء : فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه يجيل خاطره بالأحداث؛ فهذا أبو بكر يخطبها من النبي، والنبي متلبث بذلك ينتظر بها القضاء، وهذا عمر يتقدم لها بعده فيجابهه النبي بالرّد « أنتظر بها القضاء ».
    فيا ترى ماذا يريد النبي؟، وما عسى أن يعزم عليه »، فلعله ادّخرها له، ومن يدري ما تنطوي عليه نفس محمد وهو يقول : « فاطمة بضعة مني » ولكن علياً شجنة منه أيضاً قربى وأخوةً وروحاً، فيتقدم لها دون تردد، ويفاتح الرسول بذلك دون إحجام؛ ولكن على استحياء يشوبه شيء من الخجل والإحراج، ويبدد رسول الله هذا الخجل، فيتهلل وجهه فرحاً، وتطفح أساريره بالبشر، وينعم عليه بالإيجاب، ويضم إليه أهل بيته وأصحابه ليقول : « إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من عليّ ( زوّج النور من النور ) وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثال فضة، إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ».
    لشراء بعض متاع البيت الجديد، ويوحي لبلال بإصابة شيء من الطيب، وتشرف أم سلمة زوج النبي على جملة من المتطلبات والشؤون، وتتكامل آداة العرس هذه بما اختاره المنتدبون لذلك، ويتم الزواج في دار متواضعة في أطراف المدينة يستأجرها علي، ويقصدهما رسول الله بنفسه،ويضمّ إليه علياً والزهراء، يبارك لهما ويدعو، ويسعد بهما ويستبشر، فتغمرهما فرحة أية فرحة، وتتلاشى بعض سحب الحياء، وتختفي جملة من أصداء الخجل بهذا الفيض من الحب والحنان والرعاية، والنبي يتهجد بصوته : « اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما و بارك لهما في نسلهما....« و استجاب الله الدعاء، فقد بارك الله فيهما وعليهما و لهما؛ فكان عليٌّ قائد الغرّ المحجّلين، وكانت الزهراء سيدة نساء العالمين؛ وبارك عليهما؛ فما عُلِمَ زواج أسعد من هذا الزواج في عظمته وتواضعه بوقت واحد، العظمة في القرينين، والتواضع في مرافقه وأسبابه التي لم تعرف ترفاً، ولم تلمس بذخاً، وإنما هي الملحفة محشوة بالليف، والوسادة التي قد ترتفع لمستوى القطن، والسرير من جريد النخل، والبساط المتواضع وهو جلد كبش ليس غير وبعض الأنسجة الصوفية اليدوية، وتلك الرحى التي ستمجل منها كف الزهراء، وهذه الأواني الخزفية الساذجة البدائية التي هزت الرسول الأعظم فقال :
    « بورك لقوم جل أوانيهم الخزف » أو نحو هذا.

    علي فارس المهمات الصعبة

    على مقربة منه، ينعمان بجواره، ويشملان برعايته، وتحققت الأمنية بقرب الدار، فيتحولان إلى دار حارثة بن النعمان إلى جنب دار النبي، وبينها وبين حجرة النبي كوة، وهي مطلة على مسجده، ولها باب تنفذ إليه، ويكون لهذا الباب شأن فيما بعد، فتغلق أبواب البيوت على المسجد إلا باب علي وفاطمة بأمر النبي.
    وبدأت الحياة الزوجية المكافحة، عليٌ يعمل على ناضح له في الزراعة والمساقاة، وقد يحرث بعض الأرض ويشق بعض الترع، وفاطمة تهيىء مرافق البيت وتشرف على إدارته، فإذا أقبل من عمله شاركها في عملها في البيت، وساعدها على تلك الشؤون اليسيرة السمحة دون تكلف أو عناء.
    وانتظرت الأمومة الزهراء عليها السلام، فانجبت وليدها البكر، وما كان عليٌ ليسبق رسول الله في تسميته سماه « حسناً » وحملت بالوليد الثاني ووضعته فسمّاه النبي « حسيناً ».
    وأسعفت الغنائم علياً بشيء من فيضها، والسقاية برافد من السعة شيئاً ما، فأبتاع لزوجه خادمةً تسمى « فضة » حملت عبءَ البيت عن فاطمة، وكانت عوناً لها في هذه المهمات البسيطة، وعضداً في تلك الملمّات الشديدة فيما بعد، وهنا تستولي السعادة بأطرافها في هذا البيت الصغير، أو الحجرة الواحدة في الأصح، وتغمر الأبوين الفرحة الكبرى بهذه الزهرة الجديدة « زينب » عقيلة بني هاشم.
    وكانت الحياة في بيت علي مليئة بالزهد والكفاف، عامرة بالايثار، لا فضل من قوت، ولا استزادة من أرغفة، شأن الأبرار الصالحين، يكاد لا يكون هذا العيش الزهيد وقفاً على عليّ والزهراء، فقد يشاركهما فيه سواهما ممن أمعن في الفقر إمعاناً.
    ويصوم الفتى والفتاة، ويعدّان للإفطار أقراصاً من الخبز، وجريشاً من الملح، وشيئاً من لبن قد يحضر وقد يغيب، وإذا بالباب يطرق وعليه مسكين يستغيث من الجوع، فيجود عليه الصائمان بإفطارهما هذا، ويطويان ليلتهما لليوم الثاني، ويعدّان مائدة الإفطار على هذا النحو البسيط، وإذا بالباب يطرق وعليه يتيم لا يجد إلى الشبع سبيلاً فيجود عليه الصائمان بإفطارهما ويطويان ليلتهما لليوم الثالث، ويعدان مائدة الإفطار، وإذا بالباب يطرق وعليه أسير لا طمع له في القرص، فيجود عليه الصائمان بافطارهما، ويهبط حبرائيل بالوحي على الرسول الكريم مدوناً هذه الحادثة الفريدة في الإيثار :
    ( ويطعمون الطّعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً ).
    وينتشر النبأ بين المسلمينا انتشار النار بالهشيم.
    وكان عليٌ في هذا الجانب مؤثراً على نفسه دون شك :
    ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) فلم يكن ذا سعة في المال، ولم يكن مبسوط اليد في الثراء، ولكنه لم يعرف عنه الاعتذار في هذا المجال، يجود بما عنده، ويلزم نفسه بالشدة، ابتغاء مرضاة الله، لا يشرك في نيته أحداً، ولا يفضي بسره في ذلك إلى أحد، فعمله خالص لله وحده، وقد دلّنا الذكر الحكيم في غير موضع على هذا الملحظ عند عليّ؛ فعن أبي ذر الغفاري.
    سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصّمتا، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا يقول : عليٌ قائد البرّرة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، فخذول من خذله؛ أما أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد ولم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال : اللهم إشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، وكان عليٌ راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى، وكان يتختم فيها، فأقبل السائل حتى آخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله؛ وفي خبر آخر في حديث طويل يشتمل على حديث المنزلة، فسأله النبي : ماذا أُعطيت، قال خاتم من فضة، قال : من أعطاكه؟ قال : ذلك القائم، فإذا هو عليٌّ، قال : على أي حال أعطاكه؟ قال : أعطاني وهو راكع. فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ نزلت عليه الآيتان :
    ( إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين، إمنوا الذين يقيمون الصّلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والّذين ءامنوا فإنّ حزب الله هم الغلبون ). وقد أجمع المسلمون على نزول هاتين الآيتين في حق علي عليه السلام.

    الراية العظمى في كل الفتوح

    ونقضت بنو قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل، فكان اليهود منهم من المفسدين في الأرض، فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخندق أمر بلالا فنادى : من كان سامعا مطيعا فلا يصليّن العصر إلا في بني قريظة ودعا عليا عليه السلام فدفع إليه رايته العظمى، وأمره بالخروج لهم، فسار في جمع من الخزرج حتى دنا من الحصون، فسمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكره ذلك وأكبره، وأشرف اليهود من الحصون فلما رأوا عليا عليه السلام تنادوا : قد جاءكم قاتل عمرو !! وألقى الله في قلوبهم الرعب، وركز علي عليه السلام الراية في أصل الحصن فأضطربوا لذلك اضطرابا شديدا، وطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يسبونه ولا يفقهون فناداهم : يا إخوة القردة والخنازير : إنا إذ أحللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطرين بعد خطوب يطول شرحها، وحكّم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ رحمه الله، فحكم بأن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، وتكون الديار ـ ديار بني قريظة ـ للمهاجرون دون الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة. وحبسوا في دار رملة بنت الحارث من بني النجار. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى موضع السوق فخندق فيه خنادق، وخرج معه علي عليه السلام والمسلمون، وأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم الى علي عليه السلام أن يضرب أعناقهم وترمى جثثهم في الخندق، فأخرجوا أرسالا وقتلهم علي عليه السلام جميعا، وفيهم حيي بن أخطب، وكان من زعماء اليهود البارزين، وقدمه عليه السلام للقتل، فقال : يا علي : قتلة شريفة بيد شريف، فقال له عليه عليه السلام : إن خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرارهم يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الأخيار الأشراف، والسعادة لمن قتله الأراذل الكفار، قال حيي : صدقت، فلا تسلبني حلّتي، قال علي : هي أهون عليّ من ذلك، فقال حيي : سترتني سترك الله، ثم قتله ولم يسلبه.
    وكان هذا المشهد في صلابته مما ملأ قلوب اليهود والمنافقين هلعا، ونفوسهم غيظا من علي عليه السلام، ولم يكن هذا آخر موقف له معهم، فله الموقف السائر في خيبر، ولكن لهذا حديث آخر.
    وقد أنزل الله في غزوة بني قريظة من الذكر الحكيم قوله تعالى :
    ( وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطلوها وكان الله على كل شيء قديرا ).
    ولم يكن عليّ عليه السلام ليستريح أو يريح، لم يكن ليستريح بذاته، ولم يكن ليريح غيره فقد شمّر ساعده للذّب عن الإسلام، وقريش في رعب منه بعد غزوة الخندق، وأبناء اليهود في إضطراب بعد غزوة بني قريظة، فغلت عليه الصدور بمراجل الحقد، وتألّبت عليه المشاعر بمظاهر الكراهية، وهو يعلم ذلك العلم كلّه، وكلنّه لم يكن مندفعا دون أناة، ولا مشرعا دون تفكير، كان يعمل فكره، ويهيأ أمره، بخطى سديدة ثابتة، واحلام رتيبة متناسقة، حتى إذا جدّ الجدّ قذف نفسه في لهوات الحرب غير هيّاب ولا مبال، ولكنه يضع الأمور في نصابها، ويعتبر الأحداث بأشباهها، ويقيس الطارئات بميزانها، وهنا يبرز دور العقل الإنساني الرفيع عند علي عليه السلام وهنا يلوح المناخ النفسي المتزّن لديه، مع صراحة في الرأي، ودقة في الموازنة، وإصرار على الحق، وفقد طابق قوله فعله، ووافق هديه عمله، مبتعدا عن المداجاة والمحاباة، متسماً بالقصد والأعتدال، وهي مميزات فريدة لا تتأتى لأبطال الحروب إلا بعد جهد جهيد، ورياضة لا تدانيها رياضة، فالشجاع مغامر دون تحفظّ، ومبادر دون إدراك، ولكن عليا عليه السلام شجاع بدراية، ومقدام مغوار بنظام، يخطط ويبرمج، ويحقق ما يريد بصبر وروية، فإذا تم له هذا أقدم إقدام من لا يخاف الفوت، وأرقل إرقال الثائر المستميت، وهكذا كان ديدنه، وتلك ملكات إكتسبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان الصورة المعبرة عنه، والرجل الذي أعدّه لقيادة الأمة على سنّته في السلم والحرب معا.
    وظل الحصن شامخا، وغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله علي يديه كرّار غير فرّار، فدعا عليا وأعطاه الراية، وهو يشتكي رمد عينيه، فمسحهما بيده، أو بلهما بريقه ؛ فبرأتأ، فقال علي : يا رسول الله علام أقاتلهم ؟ فقال : على أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ؛ فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله.
    وتقدم علي عليه السلام الى الحصن يهروّل هرولة، يستعجل الفتح ويستنزل النصر، وإذا دونه « مرحب » فارس اليهود يرتجز.
    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مجرّب
    فاختلف هو وعلي بضربتين، فلم تصنع ضربته شيئا، وضربه علي على رأسه حتى عضّ السيف بأسنانه، وسمع أهل العسكر صوت ضربته وسقط قتيلا، وانهزم اليهود، فكان الفتح، وهجم علي فاقتلع باب الحصن وتترس بها، وكرّ على فلول اليهود فتناثروا بين يديه، وما التقى آخر الجيش بأوله حتى تم النصر المؤزر على يد عليّ وحده.
    فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك، فبعثوا الى رسول الله يصالحونه على النصف من فدك، فقبل ذلك. فكانت فدك بنصفها خالصة له لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، ونحلها رسول الله ابنته فاطمة، وتصرفت بها في حياة أبيها.
    وهكذا تنتهي الجولة إثر الجولة مع المشركين تارة، ومع اليهود تارة أخرى، وعليّ في هذا كله يدير قيادة الجيش، موجها ومباشرا وفاديا، قد مرّ على الهجرة سبع سنوات، ليكون فتح مكة في سنة ثماني من الهجرة كما سنرى.

    ظواهر العدل الاجتماعي عند الإمام تقلب الموازين
    وقد اندلعت العصبية القبلية في عهد الإمام نتيجة التمييز الطبقي السافر في عصري عمر وعثمان ( رض ) ؛ لا بين اليمانيين والمضريين أو المهاجرين والأنصار، أو الأوس والخزرج فحسب، بل تعدت حدود ذلك إلى المسلمين من غير العرب ؛ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام بعد الفتوح، فوجدوا أنفسهم دائماً في المرتبة الدنيا من الحقوق، فنجد قادة العنصرية القبلية، ودعاة الإرستقراطية العربية، تنصح أمير المؤمنين بزعمها « يا أمير المؤمنين : اعطِ هذه الأموال، وفضلّ هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم، وإستمل من تخاف خلافه من الناس ».
    فهم يدعون علياً عليه السلام بدعوى الجاهلية لا الإسلام، وهم يريدون تسويغ الغايات بالوسائل الدنيا، يريدون من الإمام تذليل العقبات بالعطاء، وشراء الضمائر بالدراهم، ومفاضلة بعض المسلمين لبعضهم الآخر بمبررات لا أساس لها في التشريع، والإمام بصير بهذه النزعات فيرد عليها :
    « أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؛ والله لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً ». وكان الأمر كما قال، فلم يفضل عنده قرشي على غيره من العرب، ولا عربي على غيره من الموالي، وما بررت الغاية عنده الوسيلة، بل سلك نهج رسول الله القائل في حجة الوداع : « أيها الناس : إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ».
    بل ذهب الإمام إلى تثبيت العدل الإجتماعي في سياسته الماليّة، فقريش كسواها من العرب والمهاجرون كالأنصار، والمضريون كاليمانيين، والأوس كالخزرج، والعرب كالموالي، وهكذا، وما استمع إلى دعاة التمييز بين المسلمين في شيء « فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه إثرة، وقد فرغ الله من قسمته، فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله به أقررنا، وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا، فمن لم يرض به فليتول كيف شاء ».
    وما رأيك فيمن يقول : « والله لو أعطيت الأقاليم السبعة، على أن أظلم نملة في جلب شعيرة... ما فعلت ».
    ومن كان هذا تفكيره فإنه لا يستجيب للدعوات المنحرفة عن الإسلام في شيء، وها هو يحكم شرق الدنيا وغربها، ويأتيه أخوه الأكبر عقيل بن أبي طالب يستميحه بره، فيلتفت إلى ولده الإمام الحسن عليه السلام ويقول له : « إذا خرج عطائي فخذ عمك واشترِ له ثوبين ونعلين ويلحف عقيل عليه في السؤال، ويلحّ في الإستزادة فيحمي له حديدة يدنيها من جسده، أو ينيلها إياه في يده، وعقيل كفيف لا يبصر، فيهوي إليها فيحترق بميسمها، ويخور خوار ذي دنف.
    وها هو خليفة الله في أرضه يخرج إلى السوق مع غلامه قنبر، فيشتري ثوبين فحسب، يزّين بألينهما وأحبهما غلامه، لأنه في ميعة الصبا وعنفوان الشباب، فينبغي أن يتجمل ! ! أما هذا الشيخ الفاني فقد أعرض عن الدنيا وأعرضت الدنيا عنه.
    يتولى أمير المؤمنين الحكم، ويخضع المتمردين، ويجلس وحده في فناء ما يخصف نعله، فيدخل عليه ابن عباس فيبادره الإمام : ما تساوي هذه النعل يا ابن عباس ؟ فيقول لا تساوي شيئاً، فينبري الإمام : لخلافتكم أزهد عندي من هذه النعل. طبعاً وقطعاً.
  • محـب الحسين

    • Nov 2008
    • 47810

    #2
    اعظم الله لك الاجر عزيزي
    جزاك الله خير الجزاء

    تعليق

    • عاشقة النور

      • Jan 2009
      • 8942

      #3
      عظم الله اجوركم واجورنا

      تعليق

      • لبيك داعي الله

        • Oct 2010
        • 741

        #4
        اعظم الله لكم ولنا الاجر جزاك الله خيرا

        تعليق

        • أمال المهدي

          • Mar 2009
          • 92

          #5


          يا علي يا علي يا علي

          سلام الله عليك يا أسد الله الغالب
          السلام عليك ياسيدي ومولاي يا قسيم الجنه والنار
          اعظم الله لكم الآجر اخي الكريم
          جزيتم خيرآ ان شاء الله







          تعليق

          • الحيران

            • Jul 2009
            • 315

            #6
            بارك الله فيك اخي عاشق البطل عباس وجزاك الله خير الجزاء

            تعليق

            • ** خـادم العبـاس **

              • Mar 2009
              • 17496

              #7
              بسم الله الرحمن الرحيم
              اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

              السلام على علي بن ابي طالب *()عليه السلام()*

              الف شكر لكم
              خواني وأخواتي

              على هذا المرور العطر
              ولقد أزاد نور صفحتي بمروركم

              حياكم ربي سبحانه



              تعليق

              • محب الصدر

                • Mar 2009
                • 3783

                #8
                عظم الله لكم الاجر
                اخي عاشق بارك الله بك

                تعليق

                • ** خـادم العبـاس **

                  • Mar 2009
                  • 17496

                  #9
                  منور اخي فداء
                  حياك ربي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X