بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين
يقول الإمام (عليه السلام): (اَتُراكَ مُعَذِّبي بِنارِكَ بَعْدَ تَوْحيدِكَ، وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ، وَلَهِجَ بِهِ لِساني مِنْ ذِكْرِكَ، وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ، وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ).. إن من مضامين أدعية أهل البيت (عليهم السلام) -طبعا مع فارق التشبيه- تُشبه سبك القرآن الكريم، رب العالمين في القرآن الكريم يقسم بالنجوم: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}.. لماذا يقسم بمواقع النجوم في القرآن الكريم؟..
لأن آيات القرآن نظمها في القرآن كنظم النجوم في السماء، هنالك ترابط رغم التناثر، فالنجوم متناثرة ولكنها مترابطة.. وكأن أمير المؤمنين -والله العالم- يريد أن يوصل لنا هذه المعلومة، وهو أنه في مقام المناجاة مع رب العالمين، خُذوا بالمسلّمات؛ أي اجعل شفيعك بينك وبين الله -عز وجل- الأمور المسلمة.. إذا خانتك الجوارح، ولكن ألا يعترف قلبك بالربوبية؟.. ألست مسلما؟.. ألست موحدا؟.. يقول: (وَبَعْدَ صِدْقِ اعْتِرافي وَدُعائي خاضِعاً لِرُبُوبِيَّتِكَ).. أي أنا اعتقادي إنك رب، وهذا المعنى واضح!.. (وَاعْتَقَدَهُ ضَميري مِنْ حُبِّكَ)؛ أي يا رب العالمين أنا أحبك، جوارحي خانتني، ولكن عندما أنظر إلى قلبي أرى فيه ذلك الحب لك.
(وَبَعْدَ مَا انْطَوى عَلَيْهِ قَلْبي مِنْ مَعْرِفَتِكَ) طبعا هذه المعرفة معرفة إجمالية، أي قلبي يعرف بأن لك صفات الجلال والجمال والكمال.. إذن، يا رب انظر إلى باطني!.. باطني مؤمن، وفيه حب وإيمان.. يذكرنا هذا برواية جميلة عن الإمام الصادق (ع): (كان رجلٌ يبيع الزيت، وكان يحبّ رسول الله (ص) حباً شديداً، كان إذا أراد أن يذهب في حاجته لم يمض حتى ينظر إلى رسول الله (ص)، قد عُرف ذلك منه، فإذا جاء تطاول له حتى ينظر إليه.. حتى إذا كان ذات يوم دخل فتطاول له رسول الله (ص) حتى نظر إليه، ثم مضى في حاجته فلم يكن بأسرع من أن رجع.. فلما رآه رسول الله (ص) قد فعل ذلك أشار إليه بيده: اجلس!.. فجلس بين يديه، فقال: ما لك فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله قبل ذلك؟.. فقال: يا رسول الله!.. والذي بعثك بالحقّ نبياً، لغشى قلبي شيءٌ من ذكرك حتى ما استطعت أن أمضي في حاجتي حتى رجعت إليك، فدعا له وقال له خيراً، ثم مكث رسول الله (ص) أياماً لا يراه.. فلما فقده سأل عنه، فقيل: يا رسول الله!.. ما رأيناه منذ أيام، فانتعل رسول الله (ص) وانتعل معه أصحابه، وانطلق حتى أتى سوق الزيت، فإذا دكان الرجل ليس فيه أحدٌ، فسأل عنه جيرته فقالوا: يا رسول الله!.. مات، ولقد كان عندنا أميناً صدوقاً، إلا أنه قد كان فيه خصلة قال: وما هي؟.. قالوا: كان يرهق، يعنون يتبع النساء.. فقال رسول الله (ص): رحمه الله، والله لقد كان يحبني حبّاً لو كان نخّاساً لغفر الله له).. يبدو أن هذا الصحابي كان قلبه ممتلئا بحب النبي، ولكن عنده هذه الزلة الخفيفة، وطبعا النبي الأكرم -عليه الصلاة والسلام- ادّخر شفاعته لأهل الكبائر، فكيف بأهل الصغائر، وكيف بمن كان له هذا الحب الجامع في قلبه؟!..
فإذن، إذا خانتنا الجوارح في بعض الحالات، فلنحاول أن نبقي هذه الجذوة الباطنية المتمثلة في المعرفة والمحبة.. فالجناحان اللذان يطير بهما الإنسان في رحلة الملكوت، وفي السير إلى الله عز وجل هما: جناح المعرفة والاعتقاد والإذعان، وجناح الحب...
نسألكم الدعاء كلما رفعتم لله كفا








تعليق