جنة الرضوآن في كلام امير المؤمنين عليه السلام
*عن أمير المؤمنين عليه السلاموَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ وَزُحْزِحُوا عَنِ النَّارِ وَاطْمَأَنَّتْ بِهِمُ الدَّارُ وَرَضُوا الْمَثْوَى وَالْقَرَارَ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً وَأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً وَكَانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً تَخَشُّعاً وَاسْتِغْفَارًا وَكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا تَوَحُّشاً وَانْقِطَاعاً فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً وَالْجَزَاءَ ثَوَاباً وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها فِي مُلْكٍ دَائِمٍ وَنَعِيمٍ قَائِمٍ1.
رضوان الله
إنّ أعظم ما يناله أهل الجنّة من النعم المعنويّة، رضوان الله عزّ وجلّ ولقاء الله الذي هو غاية ما يريدونه من نعيم تلك الجنّة.
? وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا اﻷَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ? 2
وما يقابل ذلك هو العذاب الذي ينتظر من كان مصيره دخول النار، وهو أنّه لن ينال لقاء الله عزّ وجلّ،*ولذا نقرأ في دعاء كميل: "وهبني... صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك".
(أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)*3.
ويعبّر القرآن الكريم عن هذا الرضا الذي ينالهم بالفوز العظيم، قال تعالى:*قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا اﻷَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ 4.
الوﻻية لله ولرسوله
قال تعالى: (*لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) 5.
ﻻ يجتمع حبّان في قلب إنسانٍ واحدٍ، بل إمّا أن يكون محبّاً لله عزّ وجلّ، وموالياً له وﻷوليائه، أو أن يكون محبّاً للشيطان مطيعاً له وﻷوليائه.
إنّ حبّ اﻵباء واﻷبناء واﻹخوان والعشيرة شيء ممدوح، ودليل على عمق العواطف اﻹنسانيّة، إلّا أنّ هذه المحبّة حينما تكون بعيدة عن حبّ الله تعالى، فإنّها ستفقد خاصيّتها. ومن الطبيعي جدّاً أنّ مَن يتعلّق بهم اﻹنسان ليس مختصّاً باﻷقسام اﻷربعة التي استعرضتها اﻵية الكريمة، ولكن هؤﻻء أقرب لﻺنسان عاطفيّاً من غيرهم، وبمﻼحظة الموقف من هؤﻻء سيتضح الموقف من اﻵخرين.
صفات أهل الرضوان
يتطرّق القرآن الكريم إلى الجزاء العظيم لهذه المجموعة، التي سخّرت قلوبها لعشق الله تعالى، حيث يستعرض خمسة من أوصافهم، والتي يمثّل بعضها مدداً وتوفيقاً من الله تعالى:
اﻷوّل:*يقول تعالى (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) .*فاﻹنسان إذا ترك أعداء الله، جاءه اﻹمداد اﻹلهيّ بصورة استقرار اﻹيمان، حيث عبّر عنه بـ (كتب).
الثاني: يقول تعالى: (*وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) ،*هذه الروح اﻹلهيّة نوع من الحياة المعنويّة الجديدة، التي أفاضها الله تعالى على المؤمنين.
موجبات نيل رضوان الله
1-*سخط النفس: وذلك ﻷنّ النفس اﻷمّارة بالسوء تدعو اﻹنسان إلى المعصية، وإلى الخروج عن طاعة الله، وفي سخطها طاعة الله ونيل رضوانه؛ ففي وصيّة لقمان عليه السﻼم ﻻبنه: "يا بنيّ من يرد رضوان الله يسخط نفسه كثيراً، ومن ﻻ يسخط نفسه ﻻ يرضى به"6.
2-*الطاعة في الصغيرة والكبيرة:*فعن اﻹمام عليّ عليه السﻼم: "إنّ الله تبارك وتعالى*أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فﻼ تستصغرنّ شيئاً من طاعته فربما وافق رضاه وأنت ﻻ تعلم"7.
3-*اﻹحسان إلى الناس: فعن اﻹمام عليّ عليه السﻼم: "سرّك أن تكون من حزب الله الغالبين؟ اتق الله سبحانه، وأحسن في كلّ أمورك، فإنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون"8.
4-*التمسّك بوﻻية أولياء الله:*فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مَن أحبَّ أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين، فليوالِ عليّاً بعدي، وليعادِ عدوّه، وليأتمّ باﻷئمّة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي وأوصيائي... حزبهم حزبي، وحزبي حزب الله عزّ وجلّ، وحزب أعدائهم حزب الشيطان"9.
وعن اﻹمام الباقر عليه السلام: "بني اﻹسﻼم على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والوﻻية، ولم يُنادَ بشيء كما نودي بالوﻻية"10.
وعن عمرو بن حنظلة، قال: "سألتُ أبا عبد الله عليه السﻼم عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة؛ أيحلّ ذلك؟ فقال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، ﻷنّه أخذه بحكم الطاغوت،وقد أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: (*يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)11". قلت:*فكيف يصنعان؟*قال عليه السﻼم: "ينظران (إلى) من كان منكم، ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حﻼلنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله"12.
الهوامش:
1 - الخطبة: 190.
2 - سورة التوبة، اﻵية 72.
3 - سورة آل عمران، اﻵية 162.
4 - سورة المائدة، اﻵية 119.
5 - سورة المجادلة، اﻵية 22.
6 - ميزان الحكمة - محمّدي الريشهري - ج 2 ص 1098.
7 - وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج 1 ص 117.
8 - ميزان الحكمة - محمّدي الريشهري - ج 1 ص 600.
9 - بحار اﻷنوار - العلّامة المجلسيّ - ج 38 ص 92.
10 - الكافي - الشيخ الكليني - ج 2 ص 18.
1 1 - سورة النساء، اﻵية 60.
1 2 - وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العامليّ - ج 27 ص 137.*













تعليق