أسلاف رسول الاسلام (صلى الله عليه و آله)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محـب الحسين

    • Nov 2008
    • 47820

    أسلاف رسول الاسلام (صلى الله عليه و آله)

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    1 . بطل التوحيد إبراهيم الخليل (عليه السلام) :
    إن الهدف من استعراض حياة النبيّ العظيم إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) هو التعريف بأجداد النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم و أسلافه ، لانتهاء نسبه الشريف إلى النبيّ إسماعيل بن إبراهيم ( عليهما السلام ) ،وحيث ان لهاتين الشخصيتين العظيمتين وبعض أسلاف النبيّ العظام نصيبٌ هامٌّ في تاريخ العرب والإسلام ، لهذا ينبغي الحديث عن أحوالهم بصورة مختصرة ، خاصَّة أنَّ حوادث التاريخ الإسلامي ترتبط ارتباطاً كاملا ـ كحلقات سلسلة واحدة ـ بالحوادث السابقة ،أو المقارنة لبزوغ الإسلام.
    فعلى سبيل المثال تُعْتَبر كفالة « عبد المطلب » لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته له ، وجهود « ابي طالب » ودفاعه الطويل عن النبيّ ، وعظمة الهاشميين وسموّ مقامهم واخلاقهم ، وجذور معاداة الأمويين لهم ، الاسس والقواعد الموضوعية لحوادث التاريخ الإسلامي ، ولهذا كان لابدّ من تخصيص فصل كامل في التاريخ الإسلامي لهذه الابحاث.
    إنّ في حياة حامل راية التوحيد النبيّ « إبراهيم الخليل » ( عليه السلام ) نقاطاً مشرقة وبارزة جداً.
    فجهاده العظيم في سبيل ارساء قواعد التوحيد واقتلاع جذور الوثنية ممّا لا ينسى.
    وهكذا حواره اللطيف والزاخر بالمعاني مع عَبَدة النجوم والكواكب في عصره والّذي ذكره القرآن الكريم لمعرفتنا ، افضل واسمى درس توحيدي لطلاب الحقيقة وبغاة الحق.

    مولد إبراهيم :
    لقد وُلدَ بطَلُ التوحيد في بيئة مظلمة كانت تسربلها ظلمات الوثنية ، وعبادة البشر ... في بيئة كان الإنسان فيها يخضع لأَصنام نحتها بيديه ، كما يخضع لكواكب ونجوم.
    لقد وُلد حامل لواءالتوحيد « إبراهيم الخليل » ( عليه السلام ) في « بابل » الّذي يعدّها المؤرخونإحدى عجائب الدنيا السبع ، ويذكرون حولها قصصاً واموراً كثيرة تنبئ عن عظمتها وأهمية حضارتها ، فيقول « هيردوتس » المؤرخ المعروف ـ مثلا ـ : لقد كانت بابل بنيةبشكل مربَّع طول كل ضلع من اضلاعه الاربعة ( 120 فرسخاً ) ومحيطه ( 480 فرسخاً ) (1).
    إنَّ هذا الكلام مهما كان مبالغاً فيه إلاّ أنه على كل حاليكشف عن حقيقة لا تقبل الإنكار ، إذا ما ضُمَّ إلى ما كتبه الآخرون عن تلك المدينة التاريخية.
    غير اننا لا نرى من تلك المدينة اليوم ومن مناظرها الجميلة ،وقصورها الرائعة ، إلاّ تلاّ من التراب في منطقة بين « دجلة » و « الفرات » ،فالموت يخيّم على كل تلك المنطقة ، اللّهم الا عندما يكسر علماء الآثار بتنقيباتهم جدار الصمت أحياناً ، بحثاً عن آثار تلك المدينة ، ويستخرجون بقاياها الموقوف على معالم من حضارة اصحابها وسكانها.
    لقد فتح رائد التوحيد ومُرسي اركانه « إبراهيم الخليل » ( عليه السلام ) عينيه في دولة « نمرود بن كنعان ».
    وكان نمرود هذا رغم أنه يعبدُ الصنم يدّعي الاُلوهيَّة ويأمر الناس بعبادته.
    وقد يبدو هذا الامر عجيباً جداً فكيف يمكن ان يكون الشخص عابد صنم ومع ذلك يدّعي الاُلوهية في الوقت نفسه ، إلاّ أن القرآن الكريم يذكر لنا نظير هذه المسألة في شان « فرعون مصر » ، وذلك عندما هزّ النبي موسى بن عمران ( عليه السلام ) قواعد العرش الفرعوني بمنطقه القويّ ، وحجته الصاعقة ، فاعترض أنصار فرعون وملأوه على هذا الأمر ، وخاطبوا فرعون بلهجة معترضةقائلين : « أتذَرُ مُوسى وَقَومهُ لِيُفْسِدُوا في الأَرْض وَيَذركَوآلهَتَكَ ». (الأعراف : 127)
    ومن الواضح جدّاً أن « فرعون » كان يدعي الالوهية فهو الّذي كان يقول : « أَنا رَبُّكُمُ الاْعْلى » (النازعات : 24 ).
    وهو القائل : « مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْاله غَيْريْ (القصص : 38) ولكنه كان في الوقت نفسه عابد صنم ووثنياً.
    بَيْدَ أَنَّ هذه الازدواجية ليست بأَمر غريب عند الوثنيين ، ولا يمنع مانع في منطقهم أن يكون الشخصُ نفسه وثنياً يعبد الصنم ، ومع ذلك يَدَّعي أنه الهٌ ويدعوالناس إلى عبادته فيكون الهاً معبوداً ، يعبد الهاً أعلى منه ، لأن المقصود من المعبود والاله ليس هو خالق الكون بل هو من يتفوَّق على الآخرين بنحو من أنحاء التفوق ويتملك زمام حياتهم بشكل من الإشكال.
    هذا والتاريخ يحدثنا أن العوائد في بلاد الروم كانت تعبد كبارها ومع ذلك كان اولئك الكبار المعبودين انفسهم يتخذون لأنفسهم معبوداً أو معبودات اُخرى.
    إن أكبر وسيلة توسَّل بها « نمرودُ » في هذا السبيل هو استقطاب جماعة من الكهنة و المنجمين الذين كانوا يُعدّون الطبقة العالمة و المثقَّفة في ذلك العصر.
    فقد كان خضوعُ هذه الطبقة يمهّد لاستعمار الطبقة المنحطة وغير الواعية من الناس.
    هذا مضافاً إلى أنه كان يُناصر « نمرود » بعضُ من ينتسب إلى « الخليل( عليه السلام ) بوشيجة القربى مثل « آزر » الّذي كان يصنع التماثيل ، وكان عارفاً بأحوال النجوم والفلك أيضاً ، وكان هذا هو الآخر أحد العراقيل الّتي كانت تمنع الخليل من انجاح مهمته ، لأنه مضافاً إلى مخالفة الرأي العام له ، كان يواجه مخالفة أقاربه ايضاً.
    لقد كان نمرود غارقاً في عالم خيالي عندما دق المنجمون فجأة أول ناقوس للخطر و قالوا له : سوف تنهار حكومتُك ، و يتهاوى عرشك و سلطانك على يد رجل يولد في تلك البيئة ، الأمر الّذي أيقظ أفكاره النائمة ، فتساءل من فوره ، وهل وُلد هذا الرجل ؟ فقيل له : لا ، انه لم يولد بعد. فأمر من فوره بعزل الرجال عن النساء ( وذلك في الليلة الّتي انعقدت فيها نطفة ابراهيم الخليل ( عليه السلام ) عدو نمرود ،وهادم ملكه ، ومزيل سلطانه وهي الليلة التي حددها وتكهن بها المنجمون والكهنة من انصار نمرود ) ومع ذلك كان جلاوزة « نمرود » يقتلون كل وليد ذكر ، وكان على القوابل ان يسجِّلن اسماء المواليد في مكتبه الخاص.
    ولقد اتفق أن انعقدت نطفةُ « الخليل » في نفس الليلة الّتي منع فيها اي لقاء جنسي بين الرجال وازواجهم.
    لقد حملت اُم إبراهيم به كما حملت اُم موسى به ، وامضت فترة حملها في خفاء و تستر ، ثم لجأت بعد وضع وليدها العزيز إلى غار بجبل على مقربة من المدينة حفاظاً عليه ، و راحت تتفقده بين حين وآخر من الليل و النهار ، قدر المستطاع.
    وقد أرضى هذا الاسلوبُ الظالمُ « نمروداً » وأراح باله بمرور الزمن ، إذ أيقن بانه قد قضى به على عدو عرشه ، وهادم سلطانه ، وتخلص منه.
    لقد قضى « إبراهيم » ( عليه السلام ) ثلاثة عشر عاماً في ذلك الغار الّذي كان يتصل بالعالم الخارجي عبر باب ضيّق ، ثم أخرجته اُمه من ذلك الغار بعد ثلاثة عشر عاماً ، ودخل « ابراهيم » في المجتمع ، فاستغرب المجتمع النمرودي وجوده وانكروه (2). »
    لقد خرج « إبراهيم » من الغار ، مؤمناً باللّه بفطرته ، وقوّى توحيده الفطري ،بمشاهَدة الأَرض والسماء ، والنظر في سطوع الكواكب والنجوم والتأمل في ما يجري في عالم النبات من نمو و حركة إلى غير ذلك ممّا يجري في عالم الطبيعة العجيب.
    لقد واجه إبراهيم ( عليه السلام ) بعد خروجه من الغار جماعة من الناس بهرتهم أحوال الكواكب و عظمة أمرها ، ففقدوا عقولهم تجاه هذه الظاهرة ، كما راى جماعةٌ اُخرى أحطَّ فكريّاً من سابقتها يعبدون اصناماً منحوتة ، بل واجه ما هو اسوأبكثير من أعضاء الطوائف والجماعات الضالة إذ رأى رجلا يستغل جهل الناس وغبائهم و يدعي الالوهية ويفرض عليهم عبادته والخضوع له !!
    لقد كان إبراهيم ( عليه السلام ) يرى أَنَّ عليه أن يهيّئ نفسه لخوض المعركة في هذه الجهات الثلاث المختلفة ، وقد نقل القرآن الكريم قصة نضال النبيّ « إبراهيم » ( عليه السلام ) في هذه الاصعدة والجبهات الثلاث وسننقل لك في ما يأتي وباختصار ما ذكره القرآن في هذا المجال.

    إبراهيم و مكافحته للوثنية :
    كانت ظلمات الوثنية قد خيَّمت على منطقة بابل ( موضع ولادة الخليل ) برمتها.
    فالآلهة المدَّعاة ، والمعبودات ( السماوية و الارضية ) الباطلة قد سحرت عقول مختلف فئات الشعب ، فبعضها في نظرهم هي أرباب القدرة والسلطة ، و بعضها الآخر وسيلة الزلفى والتقرب إلى اللّه إلى غير ذلك من التصورات السخيفة في هذا الصعيد.
    وحيث أَن طريقة الأَنبياء في هداية البشرية و ارشادهم هي الاستدلال بالبراهين ، و الاحتجاج بالمنطق ، لانهم إنما يتعاملون مع قلوب الناس و عقولهم ، و يبتغون ايجاد حكومة تقوم على أساس الإيمان و اليقين ، و مثل هذه الحكومة لا يمكن اقامتها بالسيف أو بالنار والحديد. لهذا يبدأون حركتهم بالتوعية الفكرية.
    إن علينا أن نفرق بين الحكومات الّتي يريد الأنبياء تأسيسها ، وحكومة الفراعنة و النماردة.
    ان هدف الطائفة الثانية هو : الرئاسة والزعامة ، والحفاظ عليها بكل وسيلة ممكنة في حياتهم ، وان تلاشت وتهاوت من بعدهم.
    ولكن الانبياء والرسل يريدون حكومة تبقى قائمة في جميع الحالات و ماثلة في جميع الاوقات ، في الخلوة والجلوة ، في وقت الضعف ، وفي وقت القوة ، في حياتهم وبعد مماتهم ... انهم يريدون أن يحكموا على القلوب لا على الابدان ، وهذا الهدف لا يتحقق ابداً عن طريق القوة و استخدام العنف و القهر !! انما يتحقق عن طريق الحجة والبرهان.
    لقد بدأ النبيُ « إبراهيم » عملَه بمكافحة ما كان عليه أقرباؤُه الذين كان في طليعتهم وعلى رأسهم « آزر » وهو الوثنية وعبادة الاصنام ،ولكنه لم ينته من هذه المعركة ولم يحرز إنتصاراً كاملا في هذه الجبهة بعد إلاّ و واجه ( عليه السلام ) جبهة اُخرى ، وكانت هذه الجماعة أعلى مستوى من افراد الجماعة السابقة في الفهم والثقافة. لان هذه الجماعة ـ على خلاف أقرباء إبراهيم ـ قد نبذت عبادة الأوثان والأَصنام (3)، والمعبودات الارضية الحقيرة ، وتوجهت بعبادتها و تقديسها إلى الكواكب والنجوم والاجرام السماوية.
    ولقد بيَّن « الخليل » ( عليه السلام ) في حواره العقائدي مع عُبّاد الاجرام السماوية ، ومكافحته لمعتقداتهم الفاسدة ، سلسلة من الحقائق الفلسفية و العلمية الّتي لم يصل إليها الفكر البشري يوم ذاك ، و ذلك ببيان بسيط مدعوم بأدلة لا تزال إلى اليوم موضع اعجاب كبار العلماء ، ورواد الفلسفة والكلام.
    والأَهم من ذلك ـ في هذا المجال ـ أن القرآن الكريم نقل أدلة « إبراهيم الخليل » ( عليه السلام ) باهتمام خاص وعناية بالغة ولهذا ينبغي لنا أن نتوقف عندها قليلا ، وهذا ما سنفعله في هذه الصفحات.

    حوار الخليل مع عبدة الكواكب:
    ذات ليلة وقف إبراهيم ( عليه السلام ) عند ابتداء مغيب الشمس يتطلع في السماء ـ وهو ينوي هداية الناس ـ وبقي ينظر إلى النجوم و الكواكب من أول الغروب من تلك الليلة إلى الغروب من الليلة التالية ، وخلال هذه الساعات الاربع و العشرين حاور و جادل ثلاث فرق ، من عبدة النجوم وابطل عقيدة كل فرقة منها بأدلة محكمة ، وبراهين متقنة قوية.
    فعندما أقبل الليلُ وخيّم الظلام على كل مكان و هو يخفي كل مظاهر الوجود و معالمه في عالم الطبيعة ظهر كوكبُ « الزُهرة » من جانب الاُفق وهو يتلألأ. فقال إبراهيم لِعُباد هذا الكوكب ـ وهو يتظاهر بموافقتهم جلباً لهم ، ومقدمة للدخول معهم في حوار ـ : «هذا ربي».
    وعندما افل ذلك الكوكب و غاب عن الانظار قال : «لا احب الآفلين ».
    وبمثل هذا المنطق الجميل أبطل عقيدة عبدة الزهرة ، واظهر خواءها وفسادها.
    ثمّ إنه ( عليه السلام ) نظرإلى كوكب القمر المنير الّذي يسحر القلوب بنوره وضوئه ، فقال ـ متظاهراً بموافقة عبدة القمر ـ : « هذا ربي » ثم ردّ باسلوب منطقي محكم تلك العقيدة أيضاً ، عندما امتدت يد القدرة المطلقة ولمعت أشعة القمر من عالم الطبيعة ، وعندها إتخذ إبراهيم ( عليه السلام ) هيئة الباحث عن الحقيقة ومن دون أن يصدم تلك الفرق المشركة ويجرح مشاعرها إذ قال : «لَئنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لأَكُونَنَّ مِن الْقَوْم الضالِين» (الأنعام : 77. )
    لأَن القمر قد أَفل أيضاً كما أَفل سابقُه فهو كغيره أسير نظام عُلويٍّ لا يتخلف ، وما كان كذلك لا يمكن ان يُعدَّ رباً يُعبَد ، ويتوَجه إليه بالتقديس والتضرع.
    ولما وَلّى الليل وأدبر ،واكتسحت الشمس الوضاءة باشعتها حجب الظلام ، وبثت خيوطها الذهبية على الوهاد والسهول ، والتفت عَبدَة الشمس إلى معبودهم ، تظاهر ابراهيم بالاقرار بربوبيتها اتباعاً لقواعد الجدل والمناظرة ولكن افول الشمس وغروبها اثبت هو الآخر بطلان عبادتها ايضاً بعد أن اثبت خضوعها للنظام الكوني العام ، فتبرأ « الخليل » ( عليه السلام ) من عبادتها بصراحة.
    وعندئذ أعرض ( عليه السلام ) عن تلك الطوائف الثلاث وقال : « إنّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذيْ فَطرَ الْسَّماواتِ وَالاْرضَ حَنِيفْاً وَما أنا مِنَ الْمُشْركين» . (الأنعام : 79.)
    لقد كان المخاطبين في كلام إبراهيم ( عليه السلام ) هم الذين يعتقدون بأن تدبير الكائنات الارضية ، ومنها الإنسان قد انيطت إلى الاجرام السماوية وفوضت اليها !!
    وهذا الكلام يفيد أن الخليل ( عليه السلام ) لم يقصد المطالب الثلاث التالية :
    1 ـ اثبات الصانع ( الخالق ).
    2 ـ توحيد الذات وأنه واحد غير متعدد.
    3 ـ التوحيد في الخالقية ، وأنه لا خالق سواه.
    بل كان تركيزه ( عليه السلام ) على التوحيد في « الربوبية » و « التدبير » وادارة الكون ، وانه لا مدبّر ولا مربي للموجودات الأرضية إلاّ اللّه سبحانه وتعالى ، ومن هنا فانه ( عليه السلام ) فور إبطاله لربوبية الاجرام السماوية قال : «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ للَّذيْ فَطرَالسَماواتِ والأَرْضَ ... ) وهو يعني ان خالق السماوات والأَرض هو نفسه مدبرها وربُها ، وانه لم يفوَّض أي شيء من تدبير الكون ، ـ لا كله ولا بعضه ـ إلى الاجرام السماوية ، فتكون النتيجة : أن الخالق والمدبر واحد لا أن الخالق هو اللّه والمدبر شيء آخر.
    ولقد وقع المفسرون ، و الباحثون في معارف القرآن في خطأ ،و التباس عند التعرض لمنطق « إبراهيم » ( عليه السلام ) وشرح حواره هذا ، حيث تصوروا أن الخليل ( عليه السلام ) قصد نفي « اُلوهية » هذه الأجرام يعني الالوهية الّتي تعتقد بها جميع شعوب الأرض و يكون هذا الكون الصاخِب آية وجوده.
    بينما تصوّر فريق آخران « إبراهيم » كان يقصد نفي « الخالقية » عن هذه الأجرام السماوية ، لأنه من الممكن ان يخلق إله العالم كائناً كامل الوجود و الصفات ثم يفوض إليه مقام الخالقية في حين أن هذين التفسيرين غير صحيحين ، بل كان هدف الخليل ( عليه السلام ) ـ بعد التسليم بوجود اله واجب الوجود ، وتوحيده ، و وحدانية الخالق ـ البحث في قسم آخر من التوحيد ، الا وهو التوحيد « الربوبي » ، وبالتالي اثبات أن خالق الكون هو نفسُه مدبر ذلك الكون أيضاً ، وعبارة « وَجَّهْتُ وَجْهِيَ ... » أفضل شاهد على هذا النوعمن التفسير.
    من هنا كان التركيز الأكبر في بحث ابراهيم على مسألة « الربّ » و « الربوبية » في صعيد الاجرام كالقمر والزهرة والشمس. (4)
    هذا و استكمالا للبحث الحاضر لابدَّ من توضيح برهان النبيّ « ابراهيم » ( عليه السلام ).
    لقد استدل « ابراهيم » في جميع المراحل الثلاث باُفول هذه الاجرام على أنها لا تليق بتدبير الظواهر الارضية و بخاصة الإنسان.
    وهنا ينطرح سؤال : لماذا يُعتبر اُفول هذه الاجرام شاهداً على عدم مدبِّريتها ؟
    إن هذا الموضوع يمكن بيانُه بصور مختلفة ، كل واحدة منها تناسب طائفة معينة من الناس.
    ان تفسيرمنطق « الخليل » ( عليه السلام ) واسلوبه في إبطال مدبِّرية الاجرام السماوية و ربوبيّتها بأشكال و صور مختلفة أفضل شاهد على أن للقرآن الكريم أبعاداً مختلفة و أن كل بُعد منها يناسب طائفة من الناس.

    واليك في ما يلي التفاسير المختلفة لهذا الاستدلال :
    الف : إن الهدف من اتخاذ الربّ هو أن يستطيع الكائن الضعيف في ظل قدرة ذلك الرب من الوصول إلى مرحلة الكمال ولابدّ ان يكون لمثل هذا الربّ ارتباطٌ قريبَ مع الموجودات المراد تربيتها بحيث يكون واقفاً على أحوالها ، غير منفصل عنها ، ولاغريب عليها.
    ولكن كيف يستطيع الكائن الّذي يغيب ساعات كثيرة عن الفرد المحتاج إليه في التربية ويُحرم ذلك الفرد من فيضه وبركته ، ان يكون رباً للموجودات الأَرضية ومدبراً لها ؟!
    من هنا يكون اُفول النجم ، وغروبه ، الّذي هو علامة غربته و انقطاعه عن الموجودات الارضية خير شاهد على أن للموجودات الأَرضية ربّاً آخر ، منزهاً عن تلك النقيصة عارياً عن ذلك العيب.
    باء : انَّ طلوع الأجرام السماوية و غروبها وحركتها المنظمة دليل على أنها جميعاً خاضة لمشيئة فوقها ، و انها في قبضة القوانين الحاكمة عليها ، و الخضوع لقوانين منظمة هو بذاته دليل على ضعف تلك الموجودات ، و مثل هذه الموجودات الضعيفة لا يمكن أن تكون حاكمة على الكون ، أو شيء من الظواهر الطبيعية ، وأما استفادة الموجودات الارضية من نور تلك الاجرام وضوئها فلا يدل أبداً على ربوبية تلك الأجرام ، بل هودليل على أن تلك الأجرام تؤدّي وظيفة تجاه الموجودات الأرضية بأمر من موجود أعلى.
    وبعبارة أخرى : إن هذا الأمر دليل على التناسق الكوني ، وارتباط الكائنات بعضها ببعض.
    جيم : ما هو الهدف من حركة هذه الموجودات؟ هل الهدف هو أن تسير من النقص إلى الكمال أو بالعكس ؟
    وحيث أن الصورة الثانية غير معقولة ، وعلى فرض تصورها لا معنى لأن يسير المربّي و المدبر للكون من مرحلة الكمال إلى النقص والفناء ، يبقى الفرضُ الاول وهو بنفسه دليل على وجود مر بٍّآخر يوصل هذه الموجودات القوية في ظاهرها من مرحلة إلى مرحلة ، هو ـ في الحقيقة ـ الربُّ الّذي يبلغ بهذه الموجودات وما دونها إلى الكمال.

    طريقة الأنبياء في الحوار و الجدال:
    لقد اسلفنا في ما سبق أن « ابراهيم » ـ بعد خروجه من الغار ـ واجه صنفين منحرفين عن جادة التوحيد هما :
    1 ـ الوثنيون.
    2 ـ عَبَدة الاجرام السماوية.
    ولقد سمعنا حوار « ابراهيم » ( عليه السلام ) وجداله مع الفريق الثاني ، وعلينا الآن أن نعرف كيف حاور الوثنيين وعبدة الاصنام ؟
    إن تاريخ الانبياء والرسل يكشف لنا عن أنهم كانوا يبدأون دعوتهم من انذار الاقربين ثم يوسعون دائرة الدعوة لتشمل عامة الناس كما فعل رسول الإسلام في بدء دعوته حيث بدأ بانذار عشيرته الاقربين لما امره اللّه تعالى بذلك إذ قال : «وأَنْذِرْعَشِيْرَتَكَ الاْقْرِبِيْن» (الشعراء : 214.). وبذلك أسّس دعوته على إصلاح اقربائه وعشيرته.
    ولقد سلك « الخليل » ( عليه السلام ) نفس هذا المسلك أيضاً إذ بدأ عمله الاصلاحي باصلاح اقربائه.
    ولقد كان لآزر بين قومه مكانة اجتماعية عليا فهو ـ مضافاً إلى معلوماته في الصناعة وغيرها ـ كان منجماً ماهراً ،وذا كلمة مسموعة و رأي مقبول في بلاط « نمرود » في كل ما يخبر به من أخبار النجوم ،وكل ما يستخرجه وما يستنبطه من الامور الفلكية ويذكره من تكهنات.
    لقد ادرك « ابراهيم » انه بجلبه لآزار ( عمّه ) يستطيع أن يسيطر على اوساط الوثنيين ،ويجردهم من ركيزة هامة من كبريات ركائزهم ، ولهذا بادر إلى منع عمّه آزر ـ و بافضل الاساليب ـ عن عبادة الاوثان ، بيد أنبعض الأسباب أوجبت أن لا يقبل « آزر » بنصائح « ابراهيم » ( عليه السلام ) ، والمهم لنا في هذا المجال هو ان نتعرف على كيفية دعوة الخليل وعلى اسلوب حواره مع « آزر ».
    ان الامعان في الآيات الّتي تنقل حوار « ابراهيم » ( عليه السلام ) مع « آزر » توضح لنا أدب الانبياء ، واسلوبهم الرائع في الدعوة والارشاد ، ولنقف عند حوار ابراهيم ودعوته ، ليتضح لنا ذلك.
    يقول القرآن الكريم عن ذلك : «إذْ قالَ لأَبيْهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يسْمَعُ وَلا يُبْصر وَلا يُغْنِيْ عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إنِّي قَدْ جائنِي مِنَ الْعِلْم ما لَمْ يَأتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوياً. يا اَبتِ لا تَعْبُدِ الشّيطانَ انَ الشّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمن عَصِيّاً. يا أَبتِ إنّي اَخافُ أنْ يَمسَّك عَذابٌم ِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطانِ وَليّاً».
    فاجابه « آزر » قائلا : « أراغبٌ أنْتَ عَنْ الهتي يا إبْراهيمُ لئنْ لَمْ تنْته لأَرْجُمَنَّكَ وَاْهجُرْنيْ مَلِيّاً ».
    ولكن « ابراهيم » بسعة صدره وعظمة روحه تجاهل ردّ « آزر » العنيف ذلك وأجابه قائلا : « سَلامٌ عَلَيْك سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيْ ». (مريم : 42 ـ 47.)
    وأيّ جواب افضلُ مِنْ هَذا البيان وأيُّ لغة أليَن مِنْ هذه اللغة واحبّ إلى القلب ،واكثر رحمة ولطفاً.

    هلَ كان آزر والدَ إبراهيم:
    ان الظاهر من الآيات المذكورة وكذا الآية ( 115 ) من سورة « التوبة » والآية ( 14 ) من سورة الممتحنة هو : أنّ « آزر » كان والد إبراهيم ( عليه السلام ).
    وقد كان إبراهيم يسميه أباً في حين كان « آزر » وثنياً ، فكيف يصحّ ذلك وقد اتفقت كلمة علماء الشيعة عامة على كون والد النبيّ الكريم « محمَّد » ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجميع الأَنبياء مؤمنين باللّه سبحانه موحدين اياه تعالى.
    ولقد ذكر الشيخ المفيد رضوان اللّه عليه في كتابه القيم « أوائل المقالات » (5) ان هذا الامر هو موضع اتفاق علماء الشيعة الامامية كافة بل وافقهم في ذلك كثير من علماء السنة ايضاً.
    وفي هذه الصورة ما هو الموقف من ظواهر الآيات المذكورة الّتي تفيد اُبوّة « آزر » لإبراهيم ، وما هو الحل الصحيح لهذه المشكلة ؟؟
    يذهب أكثر المفسّرين إلى أن لفظة « الأب » وان كانت تُستعمل عادة في لغة العرب في « الوالد » ، إلاّ أن مورد استعمالها لا ينحصر في ذلك.
    بل ربما استعملت ـ في لغة العرب وكذا في مصطلح القرآن الكريم ـ في : ( العمّ ) أيضاً. كما وقع ذلك في الآية التالية الّتي استعملت فيها لفظة الأب بمعنى العم إذ يقول سبحانه :
    « إذْقالَ لِبَنْيهِ ما تَعْبُدونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلهَكَ وإله آبائكَ إبْراهيم واسْماعيل وإسحاقَ إلهاً واحِداً ونحن لهُ مسلمون». (البقرة : 133.)
    فإنّ ممّا لا ريب فيه أن « اسماعيل » كان عماً ليعقوب لا والداً له ، فيعقوب هو ابن اسحاق ، واسحاق هو أخو اسماعيل.
    ومع ذلك سمّى أولادُ يعقوب « اسماعيل » الّذي كان ( عمَّهم ) أباً.
    ومع وجود هذين الاستعمالين ( استعمال الاب في الوالد تارة ، وفي العم تارة اُخرى ) يصبح احتمال كون المراد بالاب في الآيات المرتبطة بهداية « آزر » هو العمّ أمراً وارداً ،و بخاصة إذا ضَمَمْنا إلى ذلك قرينة قوية في المقام وهي : اجماع العلماء الّذي نقله المفيد رحمه اللّه على طهارة آباء الانبياء واجدادهم من رجس الشرك والوثنية.
    ولعل السبب في تسمية النبي « ابراهيم » عمَّه بالأب هو أنه كان الكافل لابراهيم ردحاً من الزمن ، ومن هنا كان « ابراهيم » ينظر إليه بنظر الأب ، وينزله منزلة الوالد.

    القرآن ينفي اُبوة «آزر» لإبراهيم :
    ولكي نعرف رأي القرآن الكريم في مسألة العلاقة بين « آزر » و « ابراهيم » ( عليه السلام ) نلفت نظر القارئ الكريم إلى توضيح آيتين :
    1 ـ لقد أشرقت منطقةُ الحجاز بنور الايمان والإسلام بفضل جهود النبيّ « محمَّد » صلى الله عليه وآله وسلم وتضحياته الكبرى ، وآمن اكثر الناس به عن رغبة و رضا ، وعلموا بأن عاقبة الشرك ، وعبادة الاوثان والاصنام هو الجحيم والعذاب الاليم.
    إلاّ أنهم رغم ابتهاجهم وسرورهم بما وُفقوا له من إيمان وهداية ، كانت ذكريات آبائهم واُمهاتهم الذين مضوا على الشرك والوثنية تزعج خواطرهم وتثير شفقتهم ، واسفهم.
    وكان سماع الآيات التي تشرح أحوال المشركين في يوم القيامة يحزنهم ويؤلمهم ، وبغية ازالة هذا الالم الروحي المجهد طلبوا من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يستغفر لابائهم واُمهاتهم كما فعل « إبراهيم » في شأن « آزر » فنزلت الآية في مقام الردّ على طلبهم ذاك ، إذ قال سبحانه :
    « ما كانَ لِلنَّبِيَّ وَالَّذينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْركينَ وَلَوْ كانُوا اُوْلي قَرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبيَِّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصْحابُ الْجَحْيمَ و ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيْمَ لأَبيْه إلا عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَها إيّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌ للّه تَبَرَّاَ مِنْهُإنَّ إبْراهيْمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ« (التوبة : 113 و 114.)
    إنَّ ثمة قرائن كثيرة تدل على أنّ محادثة النبيّ « إبراهيم » وحواره مع « آزر » ووعده بطلب المغفرة له من اللّه سبحانه قد انتهى إلى قطع العلاقات ، والتبرّي منه في عهد فتوَّة « إبراهيم » ، وشبابه ، اي عندما كان « إبراهيم » لايزال في مسقط رأسه « بابل » ولم يتوجه بعد إلى فلسطين ومصر وأرض الحجاز.
    إننا نستنتج من هذه الآية أن « إبراهيم » قطع علاقته مع « آزر » ـ في أيام شبابه ـ بعد ما أصرّ « آزر » على كفره ، و وثنيته ، ولم يعد يذكره إلى آخر حياته.
    2 ـ لقد دعا « إبراهيم » ( عليه السلام ) في اُخريات حياته ـ أي في عهد شيخوخته ـ وبعد أن فرغ من تنفيذ مهمته الكبرى ( تعمير الكعبة ) و اسكان ذريته في أرض مكة القاحلة ، دعا وبكل اخلاص وصدق جماعة منهم والداه ، وطلب من اللّه إجابة دعائه، إذ قال في حين الدعاء :
    « رَبَّنا اغْفِرْ ليْ وَلوالديّوَلِلمؤمِنينْ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب»(إبراهيم : 41.)
    إنَ هذه الآية تفيد بصراحة ـ أن الدعاء المذكور كان بعد الفراغ من بناء الكعبة المعظمة ،و تشييدها ، يوم كان إبراهيم يمر بفترة الشيخوخة ، فاذا كان مقصودُه من الوالد في الدعاء المذكور هو « آزر » وانه المراد له المغفرة الالهية كان معنى ذلك أن « ابراهيم » كان لم يزل على صلة ب‍ « آزر » حتّى أنه كان يستغفر له في حين أن الآية التي نزلت رداً على طلب المشركين أوضحت بأن « إبراهيم » كان قد قطع علاقاته ب‍ « آزر » في أيّام شبابه ، وتبرّأ منه ، ولا ينسجم الاستغفار مع قطع العلاقات.
    إن ضَمَّ هاتين الآيتين بعضهما إلى بعض يكشف عن أنّ الّذي تبرّأ منه « ابراهيم » في أيام شبابه ، وقطع علاقاته معه واتخذوه عدواً هو غير الشخص الّذي بقي يذكره ،ويستغفر له إلى اُخريات حياته . (6)

    إبراهيم محطِّم الأصنام:

    لقد حلَّ موسم العيد ، وخرج أهلُ بابل المغفّلين الجهلة إلى الصحراء للاستجمام ، ولقضاء فترة العيد ، وإجراء مراسيمه ، وقد أخلوا المدينة.
    ولقد كانت سوابق « إبراهيم » ، وتحامله على الأصنام ، و استهزاؤه بها قد أوحدت قلقاً و شكاً لدى أهل بابل ، ولهذا طلبوا منه ـ وهم الذين يساورهم القلق من موقفه تجاه اصنامهم ـ الخروج معهم إلى الصحراء ، والمشاركة في تلك المراسيم ، ولكن اقتراحهم هذا بل إصرارهم واجه رفض إبراهيم الّذي رد على طلبهم بحجة المرض إذ قال : « إنّ يسَقِيم » وهكذا لم يشترك في عيدهم ، وخروجهم وبقي في المدينة.
    حقاً لقد كان ذلك اليوم يوم ابتهاج وفرح للموحد والمشرك ، وأمّا للمشركين فقد كان عيداً قديماً عريقاً يخرجون للاحتفال به ، واقامة مراسيمه وتجديد ما كان عليه الآباء والاسلاف إلى الصحراء حيث السفوح الخضراء والمراع الجميلة.
    وكان عيداً لإبراهيم بطل التوحيد كذلك ، عيداً لم يسبق له مثيل ، عيداً طال انتظارُه ، وافرح حضوره وحلوله ،فها هو إبراهيم يجد المدينة فارغة من الاغيار ، والفرصة مناسبة للانقضاض على مظاهر الشرك و الوثنية ، وحدث هذا فعلا.
    فعندما خرج آخر فريق من اهل بابل من المدينة ، إغتنم « إبراهيم » تلك الفرصة ودخل وهو ممتلئ ايماناً و يقيناً باللّه فيمعبدهم حيث الأصنام والأوثان المنحوتة الخاوية ، و أمامها الأطعمةُ الكثيرة الّتي احضرها الوثنيون هناك بقصد التبرك بها ، وقد لفتت هذه الأطعمة نظر « الخليل » ( عليه السلام ) ، فأخذ بيده منها كسرة خبز ، وقدمها مستهزء إلى تلك الاصنام قائلا : لماذا لا تأكلون من هذه الاطعمة ؟
    ومن المعلوم أن معبودات المشركين الجوفاء هذه لم تكن قادرة على فعل اي شيء أو حركة مطلقاً فكيف بالاكل.
    لقد كان يخيم على جوّ ذلك المعبد الكبير سحابة من الصمت القاتل ولكنه سرعان ما اخترقته اصوات المعلول الّذي اخذ « إبراهيم » يهوي به على رؤوس تلك التماثيل الجامدة الواقفة بلاحراك ، وايديها.
    لقد حطم « الخليل » ( عليه السلام ) جميع الاصنام و تركها ركاماً من الاعواد المهشمة ، و المعدن المتحطم ، و إذا بتلك الاصنام المنصوبة في اطراف ذلك الهيكل قد تحولت إلى تلة في وسط المعبد.
    غير ان « ابراهيم» ترك الصنم الأكبر من دون ان يمسه بسوء ، ووضع المعول على عاتقه ، وهو يريد بذلك ان يظهر للقوم بأن محطِمَ تلك الأَصنام هو ذلك الصنمُ الكبير ، إلاّ أن هدفه الحقيقي من وراء ذلك كان امراً آخراً سنبينهُ في ما بعد.
    لقد كان « إبراهيم » ( عليه السلام ) يعلم بأنَّ المشركين بعد عودتهم من الصحراء ، ومن عيدهم سيزورون المعبد ، وسوف يبحثون عن علة هذه الحادثة ، وأنهم بالتالي سوف يرون ان وراء هذه الظاهرة واقعاً آخر ، إذ ليس من المعقول ان يكون صاحب تلك الضربات القاضية هو هذا الصنم الكبير الّذي لا يقدر اساساً على فعل شيء على الاطلاق.
    وفي هذها لحالة سوف يستطيع « إبراهيم » ( عليه السلام ) أن يستفيد من هذه الفرصة في عمله التبليغي ويستغل اعتراضهم بأن هذا الصنم الكبير لا يقدر على شيء أبداً ، لتوجيه السؤال التالي اليهم : اذن كيف تعبدونه ؟!!
    فمنذ أن اخذت الشمس تدنو إلى المغيب ويقتربُ موعد غروبها ، وتتقلص اشعتها وتنكمش من الرَّوابي والسهول ، أخذَ الناسُ يؤوبون إلى المدينة أفواجاً افواجاً.
    وعند ما آن موعد العبادة ، وتوجّهوا إلى حيث اصنامهم ، واجهوا منظراً فضيعاً وامراً عجيباً لم يكونوا ليتوقّعونه !!
    لقد كان المشهد يحكي عن ذلة الآلهة وحقارتها ، وهو أمرٌ لفت نظر الجميع شيباً وشبّاناً ، كباراً وصغاراً.
    ولقد كانت تلك اللحظة لحظة ثقيلة الوطأة على الجميع بلا استثناء.
    فقد خَيَّم سكوتٌ قاتلٌ مصحوب بحنق ومضض على فضاء ذلك المعبد المنكود الحظ.
    إلا أن أحدهم خرق ذلك الصمت الرهيب وقال : من الّذي ارتكب هذه الجريمة ، ومن فعل هذا بالهتنا ؟!
    ولقد كانت آراء « إبراهيم » ومواقفه السلبية السابقة ضد الاصنام وتحامله الصريح عليها تبعثهم على اليقين بأن « إبراهيم » وليس سواه هو الّذي صنع ما صنع بآلهتم واصنامهم.
    ولأجل ذلك تشكلت فوراً محكمة يرأسها « نمرود » نفسه وأخذوا يحاكمون « ابراهيم » واُمه !!
    ولم يكن لاُمه من ذنب إلا أنها أخفت ابنها ،ولم تُعلِم السلطات بوجوده ليقضوا عليه ، شأنه شأن غيره من المواليد الذين قضت تلك السلطة الظالمة عليهم حفاظاً على نفسها وكيانها.
    ولقد أجابت اُم إبراهيم على هذا السؤال بقولها : أيها الملك فعلت هذا نظراً مني لرعيّتك ، فقد رأيتك تقتل أولاد رعيّتك فكان يذهب النسل فقلت : إن كان هذا الّذي يطلبه دفعتُه إليه ليقتله ويكف عن قتل أولاد الناس ، وإن لم يكن ذلك فبقي لنا ولدنا.
    ثم جاء دورمساءلة إبراهيم ( عليه السلام ) فسأله قائلا : « مَنْ فَعَلَ هذا بآلهَتنا يا إبْراهيْم» فقال إبراهيم : « فَعَلهُ كَبيْرُهمْ هذا فاْسأَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُون».
    وقد كان « إبراهيم » ( عليه السلام ) يهدف من هذه الاجابة اللامبالية المصحوبة بالسخرية والازدراء هدفاً آخر ، وهو ان « إبراهيم » ( عليه السلام ) كان على يقين بأنهم سيقولون في معرض الاجابة على كلامه هذا : إنك تعلم يا إبراهيم ان هذه الأصنام لا تقدر على النطق ،وفي هذه الصورة يستطيع « إبراهيم » أن يُلفت نظر السلطات الّتي تحاكمه إلى نقطة اساسية.
    وقد حدث فعلا ما كان يتوقعه « إبراهيم » ( عليه السلام ) لما قالوا له وقد نكسوا على رؤوسهم : « لقد عَلِمْتَ ما هؤلاء يَنْطِقُونَ » فقال إبراهيم رداً على كلامهم هذا الّذي كان يعكس حقارة تلك الاصنام والأوثان وتفاهة شأنها : « اَفتَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ وَلايَضُرُّكُمْ اُفّ لكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أفَلا تَعْقِلُون».
    إلاّ أنَّ تلك الزمرة المعاندة الّتي ران على قلوبها الجهلُ والتقليدُ الأعمى لم يجدوا جواباً لأبراهيم الّذي افحمهم بمنطقه الرصين الاّ أن يحكموا باعدامه حرقاً ، فأَوقدوا ناراً كبيرة وألقوا بإبراهيم ( عليه السلام ) فيها إلاّ أن العناية الالهية شملت إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، وحفظته من اذى تلك النار ، وحولت ذلك الجحيم الّذي اوجده البشر ، إلى جُنينة خضراء نضرة إذ قال : « يا نارُ كُوني بَرْداً وَسَلاماً عَلى إبْراهِيْم. (7)»

    العِبَر القيمة في هذه القصة :
    مع ان اليهود يعتبرون أنفسَهم في مقدمة الموحِّدين ، لم ترد هذه القصة في ثوراتهم الحاضرة رغم كونها معروفة بينهم ، بلتفرّد القرانُ الكريم من بين الكتب السماوية بذكرها لأهميتها.
    من هنا فإننا نذكرُ بعض النقاط المفيدة ، والدروس المهمة في هذه القصة الّتي يَهدِفُ القرآن من ذكرها وذكر امثالها من قصص الأنبياء والرسل.
    1 ـ إن هذه القصة خير شاهد على شجاعة « إبراهيم الخليل » ( عليه السلام ) وبطولته الفائقة.
    فعزم ابراهيم على تحطيم الاصنام ، ومحق وهدم كل مظاهر الشرك و الوثنية المقيتة لم يكن امراً خافياً على النمروديين لانه ( عليه السلام ) كان قد أظهر شجبه لها ، واعلن عن استنكاره لعبادتها وتقديسها من خلال كلماته القادحة فيها، واستهزائه بها ، فقد كان ( عليه السلام ) يقول لهم بكل صراحة بانه سيتخذ من تلك الاصنام موقفاً مّا إذا لم يتركوا عبادتها وتقديسها ، فقد قال لهم يوم ارادوا ان يخرجوا إلى الصحراء لمراسيم العيد : « وَتاللّه لأَكيْدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُولُّوا مُدْبِريْن» (الأنبياء : 57.).
    ولقد كان موقف الخليل ( عليه السلام ) ينم عن شجاعة كبرى فقد قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) في هذا الصدد :
    « ومنها ( اي وممّا تحلّى به النبيّ ابراهيم ) الشجاعة وقد كشفت ( قضيةُ ) الاصنام عنه ، ومقاومة الرجل الواحد اُلوفاً من أعداء اللّه عزّ وجلّ تمام الشجاعة« . (8)
    2 ـ ان ضربات « إبراهيم » القاضية و ان كانت في ظاهرها حرباً مسلحة ، وعنيفة ضد الاصنام إلا أن حقيقة هذه النهضة ـ كما يُستفاد من ردود « إبراهيم » على أسئلة الذين حاكموه ،و استجوبوه ـ كانت ذات صبغة تبليغية دعائية.
    فان « إبراهيم » لم يجد وسيلة لايقاظ عقول قومه الغافية ، وتنبيه فطرهم الغافلة ، إلا تحطيم جميع الاصنام ، وترك كبيرها وقد علق القدوم على عاتقه ليدفع بقومه إلى التفكير في القضية من اساسها وحيث أن العمل لم يكن اكثر من مسرحية إذ لا يمكن أن يصدق أحدهم بأن تلك الضربات القاضية كانت من صنع ذلك الصنم الكبير و فعله حينئذ يستطيع إبراهيم أن يستثمر فعله هذا في دعوته ، ويقول انَّ هذا الصنم الكبير لا يقدر ـ وباعترافكم ـ على فعل أيّ شيء مهما كان صغيراً و حقيراً فكيف تعبدونه اذن ؟!
    ولقد استفاد « إبراهيم » من هذه العملية فعلا ، و توصل إلى النتيجة الّتي كان يتوخاها ، فقد ثابوا إلى نفوسهم بعد ان سمعوا كلمات « إبراهيم » ( عليه السلام ) ، و استيقظت ضمائرهم و عقولهم ووصفوا انفسهم بالظلم بعد أن تبيّن لهم الحق وبطل ما كانوا يعبدون إذ قال تعالى : « فَرجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكُمْ أَنْتُمْ الظّالِمُون» (الأنبياء : 64) وهذا بنفسه يفيد بأن سلاح الانبياء القاطع في بدء عملهم الرسالي كان هو : سلاح المنطق و الاستدلال ليس إلا ، غاية الأمر أن هذا كان يؤدي في كل دورة بما يناسبها من الوسائل ، و إلاّ فما قيمة تحطيم عدد من الأَصنام الخشبية بالقياس إلى مخاطرة النبيّ « ابراهيم الخليل » بنفسه وحياته ، وبالقياس إلى الاخطار الّتي كانت تتوجه إليه نتيجة هذا العمل الصارخ.
    إذن فلابد ان يكون وراء هذه العملية الخطيرة هدفٌ كبيرٌ و خدمة عظمى تستحق المخاطرة بالنفس ، و يستحق المرء امتداح العقل له إذا عرّض حياته للخطر في سبيلها.
    3 ـ لقد كان إبراهيم يعلم بأن هذا العمل سيؤدي بحياته ، و سيكون فيه حتفه ، فكانت القاعدة تقتضي أن يسيطر عليه قلقٌ و اضطرابٌ شديدان ، فيتوارى عن اُعين الناس ، أو يترك المزاح ، و السخرية بالأَصنام على الأقل ، و لكنه كان على العكس من ذلك رابط الجأش ، مطمئن النفس ،ثابتَ القدم ، فهو عندما دخَلَ في المعبد الّذي كانت فيه الأصنامُ تقدم بقطعة من الخبز إلى الاصنام و دعاها ساخراً بها ، إلى الاكل ، و ثم ترك الأَصنام بعد اليأس منها تلاّ من الخشب المهشم ، واعتبر هذا الامرَ مسألة عادية لا تستأهل الوَجلَ و الخوف ، وكأنه لم يفعل ما يستتبع الموت المحقَّق و يستوجب الاعدام المحتّم.
    فهو عندما يأخذ مكانه امام هيئة القضاة يقول معرضاً بالاصنام : فعله كبير الأصنام فاسئلوه ولا شك أن هذا التعريض والسخرية بالاصنام إنما هو موقف من لا يوجس خيفة ، و لا يشعر بوجَل من عمله ، بل هو فعل من قد هيّأ نفسه لكل الاخطار المحتملة ، و استعد لكل النتائج مهما كانت خطيرة.
    بل الأعجبُ من هذا كله دراسة وضع « إبراهيم » نفسه حينما كان في المنجنيق وقد تيقّن أنه سيكون وسط ألسنة اللهب بعد هنيئة ، وتلتهمه النار المستعرة تلك النار الّتي جمع اهل « بابل » لها الحطب الكثير تقرباً إلى آلهتهم ، وكانوا يعتبرون ذلك العمل واجباً مقدساً ... تلك النار الّتي كان لهيبا من القوة بحيث ما كانت الطيور تستطيع من التحليق على مقربة منها.
    في هذه اللحظة الخطيرة الحساسة جاءه جبرئيل و اعلن عن استعداده لانقاذه وتخليصه من تلك المهلكة الرهيبة قائلا له : هل لك إليّمن حاجة ؟
    فقال « إبراهيم » : أما إليك فلا ، وأما إلى ربِّ العالمين فنعم (9).
    ان هذا الجواب يجسِّدُ ايمان « إبراهيم » العظيم ، وروحه الكبرى.
    لقد كان « نمرود » الّذي جلس يراقب تلك النار من عدة فراسخ ، ينتظر بفارغ الصبر لحظة الانتقام ، وكان يحب ان يرى كيف تلتهم ألسنة النار « إبراهيم ». فما أرهب تلك اللحظات !
    لقد اشتغل المنجنيقُ ، و بهزّة واحِدة اُلقي بإبراهيم ( عليه السلام ) في وسط النار غير أَن مشيئة اللّه ، وارادته النافذة تدخلت فوراً لتخلص خليل اللّه ونبيه العظيم ، فحوّلت تلك النّار المحرقة الّتي أوقدتها يَدُ البشر إلى روضة خضراء و جنينة زاهرة ادهشت الجميع حتّى أَنَّ « إبراهيم » التفت إلى « آزر » وقال ـ من دون ارادته ـ : « يا آزر ما اكرم إبراهيم على ربّه » . (10)
    إن انقلاب تلك النّار الهائلة إلى روضة خضراء لإبراهيم قد تمّ بأمر اللّه المسبب للإسباب و المعطل لها متى شاء ، المعطي لها آثارها ، والسالب عنها ذلك ، متى اراد.
    اجل إن اللّه الّذي منح الحرارة للنّار و الاضاءة للقمر ، و الاشعاع للشمس لقادر علىسلب هذه الآثار و انتزاعها من تلك الاشياء وتجريدها ، ولهذا صحَّ وصفُه بمسببالاسباب ، ومعطلها.
    غير ان جميع هذه الحوادث الخارقة و الآيات الباهرة لمتستطع ان توفر لابراهيم الحرية الكاملة في الدعوة و التبليغ ، فقد قررت السلطة الحاكمة و بعد مشاورات و مداولات إبعاد « إبراهيم » ونفيه ، وقد فتح هذا الأَمرُ صفحة جديدة في حياة ذلك النبيّ العظيم ، وتهيأت بذلك اسبابُ رحلته إلى بلاد الشام و فلسطين و مصر و ارض الحجاز.

    هجرة الخليل (عليه السلام) :
    لقد حكمت محكمة « بابل » على « إبراهيم » بالنفي والإبعاد من وطنه ، ولهذا اضطرّ ( عليه السلام ) ان يغادرمسقط رأسه ، ويتوجه صوبَ فلسطين ومصر ، وهناك واجه استقبال العمالقة الذين كانوا يحكمون تلك البقاع وترحيبهم الحار به ونعم بهداياهم الّتي كان من جملتها جارية تدعى « هاجر ».
    وكانت زوجته « سارة » لم تُرزق بولد إلى ذلك الحين ، فحركت هذه الحادثة عواطافها ومشاعرها تجاه زوجها الكريم إبراهيم ولذلك حثته على نكاح تلك الجارية عله يُرْزَقُ منها بولد ، تقرّ به عينه وتزدهر به حياته.
    فكان ذلك، وولدت « هاجر » لإبراهيم ولداً ذكراً سمي باسماعيل ، ولم يمض شيء من الزمان حتّى حبلت سارة هي أيضاً و ولدت ـ بفضل اللّه ولطفه ـ ولداً سمي باسحاق (11).
    وبعد مدة من الزمان أمر اللّه تعالى « إبراهيم » بان يذهب بإسماعيل واُمه « هاجر » إلى جنوب الشام « أي ارض مكة » ويُسكِنهما هناك في واد غير معروف إلى ذلك الحين ... واد لم يسكنه أحدٌ بل كانت تنزل فيه القوافل التجارية الذاهبة من الشام إلى اليمن ، والعائدة منها إلى الشام ، بعض الوقت ثم ترحل سريعاً، وأما في بقية أوقات السنة فكانت كغيرها من أراضي الحجاز صحراء شديدة الحرارة ،خالية عن أي ساكن مقيم.
    لقد كانت الاقامة في مثل تلك الصحراء الموحشة عملية لا تطاق بالنسبة لأمرأة عاشت في ديار العمالقة والفت حياتهم وحضارتهم ، وترفهم و بذخهم.
    فالحرارة اللاهبة والرياح الحارقة في تلك الصحراء كانت تجسّد شبح الموت الرهيب امام ابصار المقيمين.
    وإبراهيم نفسه قد انتابته كذلك حالةٌ من التفكير والدهشة لهذا الامر ، ولهذا فإنّه فيما كان عازماً على ترك زوجته « هاجر » وولده « إسماعيل » في ذلك الواد قال لزوجته « هاجر » وعيناه تدمعان : « إن الّذي أمرني أن أضعَكُمْ في هذا المكان هو الّذي يكفيكم ».
    ثمّ قال في ضراعة خاصة : «ربِّ اجْعِلْ هذا بَلَداً آمِناً وَاْرزُقْ أهْلَهُ مِنَ الَثمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّه وَالْيَوْمِ الآخِر» . (البقرة : 126.)
    وعندما انحدر من ذلك الجانب من الجبل التفت اليهما وقال داعياً : «رَبَّنا إنّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتي بِواد غَيْر ذِيْ زَرْع عِنْد بَيْتكَ الُمحَرَّم رَبَّنا لِيُقيْمُوا الصّلاة فَاجْعَلْ أفْئدَةً مِنَ النّاسِ تَهْويْ إلَيْهِمْ وَاْرزُقْهُمْ مِنَ الّْثمراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُون». (إبراهيم : 37.)
    إنَ هذا السفرة والهجرة وإن كانت في ظاهرها امراً صعباً ، وعملية لا تطاق ، إلا أن نتائجها الكبرى الّتي ظهرت في ما بعد أوضحت وبيّنت أهميّة هذا العمل ، لأنّ بِناء الكعبة ، وتأسيس تلك القاعدة العظمى لأهل التوحيد ، ورفع راية التوحيد في تلك الربوع ، وخلق نواة نهضة ، عميقة ، دينية، انبثقت على يد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وشعّت من تلك الديار إلى أنحاء العالم ، كلُ ذلك كان من ثمار تلك الهجرة.

    عين زمزم كيف ظهرت ؟
    لقد غادر « إبراهيم » ( عليه السلام ) أرض مكة تاركاً زوجته وولده « إسماعيل » بعيون دامعة ، وقلب يملأوه الرضا بقضاء اللّه والامل بلطفه وعنايته.
    فلم تمض مدة إلا ونفد ما ترك عندهما من طعام وشراب ، وجف اللبن في ثديي « هاجر » ، وتدهورت أحوال الرضيع « إسماعيل » ، وكانت دموع الام الحزينة تنحدر على حجره ، وهي تشاهد حال وليدها الّذي قد أخذ العطش والجوع منه مأخذاً.
    فانطلقت من مكانها فجأة تبحث عن الماء حتّى وصلت إلى جبل « الصفا » فرأت من بعيد منظر ماء عند جبل « مروة » ، فاسرعت إليه مهرولة ، غير ان الّذي رأته وظنته ماء لم يكن الاّ السراب الخادع ، فزادها ذلك جزعاً وحزناً على وليدها ممّا جعلها تكرر الذهاب و الاياب إلى الصفا و المروة أملا في أن تجد الماء و لكن بعد هذا السعي المتكرر، والذهاب و الاياب المتعدد بين الصفا وا لمروة عادت إلى وليدها قانطةً يائسةً.
    كانت أنفاس الرضيع الظامئ و دقّات قلبه الصغير قد تباطأت بل واشرفت على النهاية ، ولم يعد ذلك الرضيع الظامئ قادراً على البكاء ولا حتّى على الانين.
    ولكن في مثل هذه اللحظة الحرجة الصعبة استجاب اللّه دعاء خليله و حبيبه « إبراهيم » ، إذ لاحظت هاجر الماء الزلال وهو ينبع من تحت اقدام « اسماعيل ».
    فسرت تلك الام المضطربة ـ الّتي كانت تلاحظ وليدها وهو يقضي اللحظات الاخيرة من حياته ، وكانت على يقين بانه سرعان ما يموت عطشاً ، وجهداً ـ سروراً عظيما بمنظر الماء ، وبرق في عينيها بريق الحياة ، بعد ان اظلمت الدنيا في عينيها قبل دقائق ، فشربت من ذلك الماء العذب ، وسقت منه رضيعها الظامئ ، وتقشعت بلطف اللّه وعنايته وبما بعثه من نسيم الرحمة الربانية كل غيوم اليأس ، وسحُب القنوط الّتي تلبدت وخيمت على حياتها.
    ولقد ادى ظهور هذه العين الّتي تدعى بزمزم في ان تتجمع الطيور في تلك المنطقة و تحلق فوق تلك البقعة الّتي لم يُعهد أن حلَّقت عليها الطيور ، وارتادتها الحمائم ، وهذا هو ما دفع بجرهم وهي قبيلة كانت تقطن في منطقة بعيدة عن هذه البقعة ان تتنبه إلى ظهور ماء فيها لما رأت تساقط الطيور وتحليقها ،فأرسلت واردين ليتقصيا لها الخبر ويعرفا حقيقة الأمر ، وبعد بحث طويل وكثير ،انتهيا إلى حيث حلت الرحمة الالهية ، وعندما اقتربا إلى « هاجر » وشاهدا بام عينيهما « امرأة » و « طفلا » عند عين من الماء الزلال الّذي لم يعهداه من قبل عادا من فورهما من حيث أتيا ، وأخبرا كبار القبيلة بما شاهداه ، فاخذت الجماعة تلو الجماعة من تلك القبيلة الكبيرة تفد إلى البقعة المباركة ، وتخيم عند تلك العين لتطرد عن « هاجر » وولدها مرارة الغربة ، ووحشة الوحدة ، وقد سبب نمو ذلك الوليد المبارك ورشده في رحاب تلك القبيلة في ان يتزوج إسماعيل هذا من تلك القبيلة ،و يصاهرهم ، وبذلك يحظى بحمايتهم له ، وينعم بدفاعهم و رعايتهم و محبتهم له. فانه لم يمض زمانٌ حتّى أختار « إسماعيل » زوجة من هذه القبيلة ، ولهذا ينتمي ابناء « إسماعيل » إلى هذه القبيلة من جهة الاُم.

    تجديد اللقاء :
    كان إبراهيم ( عليه السلام ) بعد أن ترك زوجته « هاجر » وولده « إسماعيل » في ارض « مكة » بأمر اللّه ، يتردد على ولده بين فينة واُخرى.
    وفي احدى سفراته ولعلّها السفرة الاُولى دخل « مكة » فلم يجد ولده « إسماعيل » في بيته ، وكان ولده الّذي أصبح رجلا قوياً ، قد تزوج بامرأة من جرهم.
    فسأل « إبراهيم » زوجته قائلا : اين زوجك ؟ فقالت : خرج يتصيَّد ، فقال لها : هل عندك ضيافة ؟ قالت : ليس عندي شيء وما عندي أحد ، فقال لها إبراهيم : « إذاجاء زوجك فأَقرئيه السلام وقولي له : فَلْيغيّر عتبة بابه ».
    وذهب إبراهيم ( عليه السلام ) منزعجاً من معاملة زوجة ابنه « إسماعيل » له وقد قال لها ما قال.
    ولمّا جاء إسماعيل ( عليه السلام ) وجد ريح ابيه فقال لامرأته : هل جاءك احد ؟ قالت : جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخّفِة بشأنه ، قال : فماذا قال لك : قالت : قال لي أقْرئي زوجك السلام وقولي له : فليغيّر عتبة بابه !!
    فطلقها وتزوج اُخرى ، لأن مثل هذه المرأة لا تصلح ان تكون زوجة و شريكة حياة. (12)
    وقد يتساءل أحد : لماذا لم يمكث إبراهيم ( عليه السلام ) هناك قليلا ليرى ولده إسماعيل بعد عودته من الصيد ،و قد قطع تلك المسافة الطويلة ، وكيف سمح لنفسه بان يعود بعد تلك الرحلة الشاقة من دون ان يحظى برؤية ابنه العزيز ؟!
    يجيب ارباب التاريخ على ذلك بان إبراهيم انما استعجل في العودة من حيث اتى لوعد اعطاه لزوجته سارة بأن يعود اليها سريعاً ،ففعل ذلك حتّى لا يخلف. وهذا من اخلاق الانبياء.
    ثمّ إن « إبراهيم » سافر مرة اُخرى إلى أرض مكة بأمر اللّه ، وليبني الكعبة الّتي تهدمت في طوفان « نوح » ،ليوجّه قلوب المؤمنين الموحدين إلى تلك النقطة.
    إن القرآن الكريم يشهد بأن أرض « مكة » قد تحولت إلى مدينة بعد بناء الكعبة قبيل وفاة إبراهيم ( عليه السلام ) ، لأن إبراهيم دعا بُعَيد فراغه من بناء الكعبة قائلا :
    « رَبِّ اجْعَلْ هذا البَلَد آمِناً وَاجْنُبْني وَبَنِيِّ أنْ نَعْبُدَ الأَصْنام» (إبراهيم : 35.) على حين دعا عند نزوله مع زوجته ، وابنه إسماعيل في تلك الأَرض قائلا» :رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً» (البقرة : 126)
    وهذا يكشف عن ان مكة تحولت إلى مدينة عامرة في حياة الخليل ( عليه السلام ) ، بعد ان كانت صحراء قاحلة ، وواد غير ذي زرع.
    ولقد كان من المُستحْسَن اسْتكمالا لهذا البحث أن نشرح هنا كيفية بناء الكعبة المعظمة ، ونستعرض التاريخ الاجمالي لذلك ، بيد أننا لكي لا نقصر عن الهدف المرسوم لهذا الكتاب اعرضنا عن ذلك و عمدنا إلى ذكر بعض التفاصيل عن أبرز و اشهر أجداد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في التاريخ.

    __________________________________________________ ___________

    (1)قاموس الكتاب المقدّس ، مادّة بابل
    (2) تفسير البرهان : ج 1 ، ص 535.
    (3) ترتبط آية 74 من سورة الأنعام بحواره ( عليه السلام ) مع الوثنيّين ، بينما ترتبط الآيات اللاحقة لها بعبدة الأجرام السماوية.
    (4) لقد بيّنا مراتب التوحيد من وجهة نظر القرآن الكريم في كتابنا « معالم التوحيد في القرآن الكريم » وأثبتنا هناك أنّ التوحيد في الذات غير التوحيد في الخالقية ، وأن هذين النوعين من التوحيد غير التوحيد في الربوبية ، وهي غير المراتب الاُخرى للتوحيد ، فراجع الكتاب المذكور تقف على هذه الحقيقة.
    (5) أوائل المقالات : ص 12 ، باب القول في آباء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
    (6) مجمع البيان : ج 3 ، ص 321 ، والميزان : ج7 ، ص 170.
    (7) وقد ذكر تفاصيل هذه القصة في الآيات 51 إلى 70 من سورة الانبياء وها نحن ندرج كل هذه الآيات هنا :
    « وَلَقَد آتَيْنا إبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِميْن. إذْ قالَ لأَبيهِ وَقومِه ما هذه الْتَّماثِيلُ الّتي أنْتُمْ لَها عاكِفونَ. قالُوا وَجَدْنا آباءنا لَها عابديْن قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ وَآباؤكُمْ في ضَلال مُبين. قالوا اجتنا بالْحق أمْ اَنتَ من اللاعبينَ قالَ بَل ربكم ربُ السماواتِ والأَرض الَّذي فطرهُنَّ وأَنا على ذلِكُمْ مِنَ الشاهدينَ وَتالله لأَكيْدَنَّ أَصنامكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبرين. فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إلاّ كَبيْراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إليْهِ يَرْجِعُونَ. قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِالهَتِنا إنَّهُ لِمَنَ الظّالِمينَ. قالُوا سَمِعْنا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إبْراهيْمَ. قالُوا : فَاتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هذا بآلِهَتِنا يا إبْراهيمَ. قال بَلْ فَعَلَهُ كَبْيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَرجَعُوا إلى أنفُسِهِمْ فقالُوا إنَّكُمْ أنتمُ الظّالِمونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدء عَلِمْتَ ما هؤُلاء يَنْطِقُونَ. قالَ : اَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّهِ ما لا يَنْفَعكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ. اُفّ لَكُمْ وَلما تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللّه أفَلا تَعْقِلُونَ قالُوا حَرَّقُوهُ وَانْصُرُوا الِهَتكُمْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ. قلْنا يا نارُ كُونيْ بَرْداً وَسَلاماً عَلى إبراهيْمَ. وَأَرادُوا به كَيْداً فَجَعَلْناهُمْ الأَخْسرينَ ».
    وللوقوف على تفاصيل وخصوصيات ولادة إبراهيم عليه السَّلام وتحطيمه للأصنام راجع كتاب الكامل لابن الأثير : ج 1 ، ص 53 ـ 62 ، وبحار الأنوار : ج 12 ، ص 14 ـ 55.
    (8) بحار الأنوار : ج 12 ، ص 67.
    (9) عيون أخبار الرضا : ص 136 ، وأمالي الصدوق : ص 274 ، وبحار الأنوار : ج 12 ، ص 35.
    (10) تفسير البرهان : ج 3 ، ص 64.
    (11) بحار الأنوار : ج 12 ، ص 118 و 119.
    (12) بحار الأنوار : ج 12 ، ص 112 نقلا عن قصص الأنبياء.
  • دمعة الكرار

    • Oct 2011
    • 21333

    #2
    جزاك الله كل خير ع الطرح القيم والمفيد
    تقبل مروري

    تعليق

    • غربتي طالت

      • Feb 2012
      • 2981

      #3
      جزاكم الله خيراً على الطرح الرائع
      حياكم الله

      تعليق

      • محـب الحسين

        • Nov 2008
        • 47820

        #4
        شكرا جزيلا للمرور الكريم

        تعليق

        • محب الرسول

          • Dec 2008
          • 28579

          #5
          جزاك الله كل خير
          بارك الله بك

          تعليق

          • محـب الحسين

            • Nov 2008
            • 47820

            #6
            شكرا جزيلا للمرور الكريم

            تعليق

            يعمل...
            X