مهدي عليه السلام في القرآن الكريم(وراثة الصالحين)
حركة التاريخ تجري وفق قوانين و سنن اجتماعية،كما يجري عالم الطبيعة وفق قوانين و سنن كونية،نظمت كل تلك القوانين وفق حكمة و لطف إلهيين،و تنظيم رباني دقيق،تحتل فيه الإرادة الإنسانية دورها الحر و الفعال. و قد شاء الله بلطفه بعباده،و حكمته في خلقه،و رحمته بهم،أن يرعى البشرية و يحوطها بعنايته الرحيمة،و يوفر للناس ما يصلحهم و ما يقربهم إليه،و يبعدهم عن الشقاء و المعصية و الجريمة .
و يشكل وجود الأنبياء مظهرا من مظاهر هذا اللطف الإلهي،بما يحملون للبشرية من دعوة خير و إصلاح و مبادىء هداية و سلام على هذه الأرض. و لقد شكل الأنبياء هذا الخط و الامتداد التاريخي المتواصل عبر مسيرة الأجيال.
قال تعالى: و إن من أمة إلا خلا فيها نذير .(فاطر/24)
و امتد صراع الخير و الشر،على هذه الأرض،منذ فجر الحياة،و ستبقى المعركة سجالا بين الخطين،خط الهدى،و خط الضلال،خط الأنبياء و خط الجاهليين الطغاة. و يمثل أئمة الهدى و علماء الإسلام و أبناؤه،الامتداد الحركي،و التواصل الفكري لخط الأنبياء .
فلقد و اصلت امة الهدى الملتزمة بخط الأنبياء،دورها و مهامها في حمل الرسالة.فكان هذا الخط يتجسد في الأئمة الهداة،و في العلماء العاملين و دعاة الإسلام المجاهدين في سبيل الله،من أجل إقامة الحق و الخير و السلام على هذه الأرض. و تشهد حياة الأنبياء و الدعاة إلى الله بهذه الملحمة من الصراع و الكفاح المرير.
و قد حققت دعوات الهدى نصرا في مواقع من تاريخ الإنسان،كالنصر الذي تحقق على يد الرسول الهادي محمد(ص). فلقد تحقق النصر للرسالة الإسلامية على يده(ص)،و سارت المسيرة الطاهرة،و بنيت حضارة التوحيد،و قطعت البشرية أشواطا متقدمة على أساس العلم و الإيمان،فاستضاءت بهذا النور،و اهتدت بذلك الهدى المشرق.
إلا أن حركة هذه المسيرة بدأت تضعف،فنشطت الحضارة الجاهلية المفسدة،و بدأ التقهقر في حركة الحضارة و الدعوة و القيادة الإسلامية،و حرم الانسان من العيش في ظل الحق و العدل و السلام،و بدأت الشرور الجاهلية تعود مرة اخرى إلى حياة الإنسان،و بدأ التنكر لمبادىء الإيمان و الصلاح،و بدأ الظلم و الجور يعود إلى ربوع الأرض،و لم يكن لطف الله ليغيب عن هذا الكوكب الأرضي،حتى مع انقطاع النبوة،فما زال منهج الأنبياء المتمثل في كتاب الله و سنة رسوله الأمين،حيا متدفقا بالحيوية و العطاء،و ما زالت امة من المؤمنين قائمة بالحق تدعو إلى الهدى و الإصلاح،و هي تتحرك في ظل الأمل الكبير(وراثة الصالحين)و(انتصار المستضعفين) . فالوعد الإلهي بتصفية بؤر الشر و منابع الفساد و تحقيق الانقلاب الكبير و التغيير الشامل،يتحقق على يد مصلح البشرية،و مقيم سنن الأنبياء،و باني الحياة على أساس القرآن و السنة المطهرة و هو(مهدي هذه الامة).
فقد شاء الله بعد أن انقطعت النبوة،و ختمت بسيد المرسلين محمد(ص)،أن يجعل مصلحا يتحمل مهمة الأنبياء في الدعوة إلى مبادىء الهدى،و العمل بما جاء به الهادي محمد(ص)،و ذلك وعد حق نطق به القرآن،و وعدت به الكتب الإلهية. فكان المصلح و الأمل الكبير الذي يحطم أو ثان الجاهلية،و يملأ الأرض قسطاو عدلا كما ملئت ظلما و جورا.
و مما أشار به القرآن إلى ظهور المصلح العظيمـ المهديـ الذي جعله الله من ولد فاطمة بنت محمد(ص)،و ذريتها المباركة،كما ذكر المفسرون ذلك،هو: و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون . (الأنبياء/105)
و لقد فسر العلامة الطبرسي(رحمه الله)معتمدا على الروايات الصحيحة،هذه الآية بقوله: « و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قيل فيه أقوال،أحدها:إن الزبور كتب الأنبياء،و معناه كتبنا في الكتب التي أنزلناها على الأنبياء من بعد كتابته في الذكر،أي أم الكتاب الذي في السماء،و هو اللوح المحفوظ،عن سعيد بن جبير و مجاهد و ابن زيد، و هو اختيار الزجاج،قال:لأن الزبور و الكتاب بمعنى واحد،و زبرت كتبت.
و ثانيها:إن الزبور الكتب المنزلة بعد التوراة،و الذكر هو التوراة،عن ابن عباس و الضحاك .و ثالثها:إن الزبور زبور داود،و الذكر توراة موسى،عن الشعبي،و روي عنه أيضا أن الذكر القرآن و بعد بمعنى قبل أن الأرض يرثها عبادي الصالحون قيل يعني أرض الجنة يرثها عبادي المطيعون،عن ابن عباس و سعيد بن جبير و ابن زيد،فهو مثل قوله: و أورثنا الأرض و قوله الذين يرثون الفردوس ،و قيل هي الأرض المعروفة يرثها امة محمد(ص)،بالفتوح بعد إجلاء الكفار،كما قال(ص):زويت لي الأرض فأريت مشارقها و مغاربها،و سيبلغ ملك امتي ما زوي لي منها،عن ابن عباس في رواية اخرى،و قال أبو جعفر(ع):هم أصحاب المهدي(ع) في آخر الزمان،و يدل على ذلك ما رواه الخاص و العام عن النبي(ص)،أنه قال:
لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد،لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلا صالحا من أهل بيتي،يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا» (1) .
و من الاشارات القرآنية المبشرة بالمهدي،هو قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون .(التوبة/33)
فقد فسر الطبرسي هذه الآية بقوله: « هو الذي أرسل رسوله محمدا،و حمله الرسالات التي يؤديها إلى امته، بالهدى أي بالحجج و البينات و الدلائل و البراهين، و دين الحق و هو الإسلام و ما تضمنه من الشرائع التي يستحق عليها الجزاء بالثواب،و كل دين سواه باطل يستحق به العقاب، ليظهره على الدين كله معناه ليعلي دين الإسلام على جميع الأديان بالحجة و الغلبة و القهر لها،حتى لا يبقى على وجه الأرض دين إلا مغلوبا،و لا يغلب أحد أهل الاسلام بالحجة،و هم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجة،و أما الظهور بالغلبة،فهو أن كل طائفة من المسلمين قد غلبوا على ناحية من نواحي أهل الشرك و لحقهم قهر من جهتهم،و قيل أراد عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلا أسلم أو أدى الجزية،عن الضحاك،و قال أبو جعفر(ع):
إن ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد،فلا يبقى أحد إلا أقر بمحمد،و هو قول السدي
و قال الكلبي:لا يبقى دين إلا ظهر عليه الاسلام،و سيكون ذلك و لم يكن بعد و لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك.و قال المقداد بن الأسود:سمعت رسول الله(ص)يقول: لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر و لا وبر،إلا أدخله الله كلمة الاسلام،و إما بعز عزيز،و إما بذل ذليل،إما يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به،و إما يذلهم فيدينون له،و قيل :إن الهاء في ليظهره عائدة إلى الرسول(ص)،أي ليعلمه الله الأديان كلها،حتى لا يخفى عليه شيء منها،عن ابن عباس، و لو كره المشركون أي و إن كرهوا هذا الدين فإن الله يظهره رغما لهم» (2) .
و فسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره الشهير البحر المحيط،قول الله تعالى: ليظهره على الدين كله
بقوله: «و قال السدي:ذلك عند خروج المهدي،لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام،أو أدى الخراج».
و لقد فسر الإمام مالك بن أنس،إمام المالكية،الآية الكريمة: و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين .(القصص/5)
فسرها بأن مصداقها لم يتحقق،و أن الامة ما زالت تنتظر من تتحقق على يديه هذه الآية،فقد روي أبو الفرج الإصفهاني أن العلويين عندما أصابهم الاضطهاد العباسي،و اشتد عليهم الأذى،شكا محمد بن جعفر العلوي إلى مالك بن أنس ذلك،فأجابه مالك:«اصبر حتى يجيء تفسير هذه الآية : و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين » (3) .
فتلك آراء المفسرين و رواياتهم في المصلح المهدي،الذي شاء الله أن يكون من أهل البيت،من ولد فاطمة،الذي تتحقق على يديه وراثة الصالحين،و انتصار الحق،و قيام دولة القرآن العالمية . إن البشرية تعيش الآن مرحلة جاهلية مروعة،و إن هذه الجاهلية هي أسوأ من جاهليات الامم الغابرة.و هي بحاجة إلى مصلح ينقذ الإنسان من ضلال الجاهلية و سقوطها،كما فعل الأنبياء الهداة ذلك،و يحقق أهدافهم بإقامة العدل،و هداية البشرية،و إنقاذها من الضلال و الانحطاط .
و إن هذا الإنقاذ،كما تفيد البشارات الدينية المتواترة،ينصب على الدعوة إلى انتظار المصلح المهدي،و إن وجوده مظهر من مظاهر اللطف الإلهي بالبشرية. الهوامش
1ـالطبرسي/مجمع البيان في تفسير القرآن/دار إحياء التراث العربي،بيروت/ج 7/ص .66
2ـالطبرسي/مجمع البيان في تفسير القرآن/ج 5/ص .24
3ـأبو الفرج الإصفهاني/مقاتل الطالبيين/ص .539
سيرة رسول الله صلى الله عليه و آله و أهل بيته ج2 ص 663










تعليق