الولاية شرط في قبول الشهادتين
يتجلّى للواقف على أحاديث الرسول وأبنائه المعصومين (عليهم السلام) هتافه في مواطن عديدة بما منح الله تعالى علياً (عليه السلام) بالولاية التي هي شرط في قبول الشهادتين، وان الفطرة التي فطر عليها الناس: التوحيد لله وأن محمداً رسول الله وعلياً أمير المؤمنين.ولأجله ورد الضمان من الله تعالى للمؤمن إن أقرَّ له بالرّبوبيّة ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة ولعلي (عليه السلام) بالإمامة وأدى ما افترض عليه، أن يسكنه في جواره ولم يحجب عنه.
كما أخذ (جلّ شأنه) ميثاق الخلائق ومواثيق الأنبياء والرسل بالإقرار له سبحانه بالوحدانية ولمحمّد بالنبوّة ولعلي بالولاية، فأوحى عزّ وجلّ إلى خاتم أنبيائه: (إني لا أقبل عمل عامل إلا بالإقرار بنبوتك وولاية علي، فمن قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وتمسّك بولاية علي دخل الجنة).
والإقرار بالولاية - كما يكون بعقد القلب والعزم على الإيمان بها - يكون بالإعلان أمام الملأ، بل إذا اقتضت الظروف التجاهر بها كان ذلك لازماً، ولعل ما يحدّث به شيخنا الصدوق شاهد له:
قال: حضر جماعة من العرب والعجم والقبط والحبشة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لهم: أأقررتم بشهادة لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وولي الأمر بعدي؟
قالوا: اللهم نعم. فكرّره ثلاثاً وهم يشهدون على ذلك.
فان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد بذلك تعريف الأمة قدر الولاية، لتأخذ حظها الأوفى من رضا الرحمن بالإيمان بولاية الوصي التي هي من مكملات الشهادتين.
ولم يقنع (صلى الله عليه وآله) بالاعتراف مرة واحدة حتى كرّره ثلاثاً، ليتبين وجه الاهتمام بها، وان الانحراف عنها زلّة لا تغفر.
ويؤكّد هذه الظاهرة حديث الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّا أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، وإنه لمّا خلق السماوات والأرض أمر منادياً ينادي:
أشهد أن لا إله إلاّ الله - ثلاثاً-.
أشهد أن محمداً رسول الله - ثلاثاً -.
أشهد أن علياً أمير المؤمنين حقّاً ثلاثاً -).
فإذا كان المولى (سبحانه وتعالى) يأمر المنادي بالإعلان بالشهادة الثالثة عند خلق السموات و الأرضين لأجل إجابة من في عالم الذر، فمجاهرة الأمة بها ألزم، فيكون من لبّى الدعوة في ذلك العالم موفّقاً للإعلان بها في هذا العالم، كما في نداء إبراهيم الخليل (عليه السلام) بالحج تلبية ندائه من في الأصلاب.
واليه أشار الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في حديثه: (إن الله تعالى أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم، فقال: ألست بربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين)؟!
قالوا: بلى).
ويحدّث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا صلّى بالنبيّين ليلة المعراج أمره الله أن يسألهم: بم تشهدون؟
فالتفت إليهم وقال: (بم تشهدون؟
قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، وأن علياً أمير المؤمنين وصيّك على ذلك، أخذت مواثيقنا لكما بالشهادة).
وهذه الشهادة طلبها الله تعالى من ملكين اكتنفا عرشه، فقال لهما: اشهدا أن لا إله إلاّ أنا. فشهدا.
فقال عزّ وجلّ: اشهدا أن محمداً رسول الله. فشهدا.
فقال تبارك وتعالى: اشهدا أن علياً أمير المؤمنين فشهدا
.
فهذه الأخبار الواردة في مواطن متعددة تعرفنا أن الشهادة مكملة للشهادتين ويتجلّى منها الرجحان الذاتي في الشهادة بالولاية سرّاً وجهراً، قولاً وفعلاً، ولا يتردد عن الإذعان بهذه الحبوة القدسية - التي هي شعار الشيعة - إلاّ من يعشو عن إبصار الحقايق.
وإني لا أظن بمن يفقه أسرار ما نصّت به الأحاديث أو ما اقتضته ملابسات الأحوال التباعد عن الإيمان، باستحباب الجهر بالولاية لسيد الأوصياء (عليه السلام) بعد الشهادتين، وهو يعرف أنها من كمال الدين وتمام النعمة على الأمّة، كما يقرأ ليله ونهاره: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي).
ولم يزل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يفتخر بما أفاض الله عليه من ألطافه وآلائه، فيقول: (... وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده ويشمّني عرفه، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبةَ في قول ولا خطلةً في فعل، ولقد كنت اتّبعه إتّباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً، ويأمرني بالإقتداء به، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه...) إلى آخر كلامه
فمن استقى عروقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدي الرسالة، وتهدلت أغصانه من نبعة الإمامة، ونشأ في دار الوحي وربي في بيت التنزيل ولم يفارق النبي في حال حياته إلى حال وفاته لا يقاس بسائر الناس.
وعلى هذا فقد جاء الأمر من الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن من قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، فليقل: علي أمير المؤمنين.
والحديث لم يتقيد بزمان ولا مكان ولا في فعل خاص، فهو عام يشمل الأذان والإقامة وغيرهما.
والعلماء الأعلام ساندوا الروايات الواردة في المستحبات - المحتملة الصدق - بأخبار صحّح بعضها شيخنا المجلسي، عرفت بينهم بأخبار التسامح في أدلّة السنن.
منها: ما يرويه الشيخ الجليل الثقة أبو جعفر أحمد بن محمد البرقي - المتوفّى سنة 274 هـ عن أبيه عن علي بن الحكم عن هشام بن سالم، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من بلغه عن النبي (صلى الله عليه وآله) شيء من الثواب فعمله، كان له أجر ذلك، وإن كان رسول الله لم يقله).
فأصبح ما تضمنته هذه الأحاديث قاعدةً مطّردةً بينهم.
والآراء وإن كانت حرة وباب الاجتهاد مفتوح لكل من درس العلم وبحث في أصول الشريعة، بيد أن الخطأ في الرأي لم يتنزّه عنه إلاّ من أودع الله العصمة فيهم وبرأهم أوعيةً لعلم ما كان ويكون (صلوات الله عليهم) فمن لم يؤمن بهذه الأخبار لضعفها عنده، لا نضايقه على ما يرتأيه، ولكن لا يصح له أن يفرض رأيه على من ثبت لديه صحة إسناد هذه الروايات، ووضحت له دلالتها ومغزاها.
وعلى هذا الأساس الذي قررناه، ترى أعلام الإمامية - من عهد بعيد - يصرّحون في رجحان الشهادة بالولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) مع الشهادتين في الأذان والإقامة وغيرهما، لا يردعهم عنها وقفة غيرهم، مهما عظمت مكانته في العلم وذاع صيته.
نعم لم يذهبوا إلى عدّها من أجزاء فصولهما وإن لم يستبعد الجزئية العلاّمة المجلسي، وصاحب كتاب الحدائق، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
وآية الله السيد ميرزا إبراهيم الإصطهباناتي النجفي يعتقد الجزئية واقعاً، ولكن الظروف لم تساعد النبي على إعلام الأمة بها.
والشهادة بالولاية - بناءً على عدم كونها من أجزاء الأذان - لا تفقد الاستحباب المطلق، والرجحان الذاتي أفادته الأخبار المتضمّنة للدعوة إلى الولاية، على اختلاف ألفاظها، ولا يرمى فاعلها بالضلالة والبدعة.
السيد عبدالرازق الموسوي المقرم
تعليق